الصفحة الرئيسية البحث البريد الالكتروني RSS
فلاشات إخبارية
 
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة

متون نقابية > الإسلاميون والمسألة الاجتماعية-الاقتصادية: نقاش في السياسات والمناهج والخيارات (3)


د.عبد الحليم فضل الله

يقف الإسلاميون على المفترق، في التحولات الشعبية والسياسية الجارية في العالم العربي، فهم مخيرون بين إتباع نهج براغماتي مهادن، يقوي حضورهم في السلطة وخارجها، أو يرد عنهم في أقل الأحوال غائلة الحرمان السياسي والاضطهاد والإقصاء الذي عانوا منه سنوات طويلة؛ وبين نهج آخر أكثر تطلباً واقل سهولة، يضعهم في موقع الفعل على المستوى الداخلي والخارجي، وفي قلب عملية بناء الإجماع الوطني المطلوب لقيام دولة عربية جديدة؛ وهذا الإجماع الذي يضم تحت مظلته طيفاً واسعاً من الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية والاتجاهات الإيديولوجية والعقائدية، هو الخيار المناسب لبت أسئلة التأسيس، تلك التي لا يمكن تركها لعمليات الاقتراع وحدها.
هل يستطيع الإسلاميون تأدية هذا الدور، فيقودوا عملية التغيير في الخيارات السياسية والاقتصادية/ الاجتماعية، بعد أن كانوا قوة رئيسية في الانتفاضات التي أزاحت أنظمة مستبدة. بل هل بمقدورهم أن يكونوا قوة ثورية في السلطة كما كانوا في الميدان؟
والسؤال الذي يطرح نفسه بادئ ذي بدء هو عن نوع الديمقراطية التي نريد بعد ان حسم الجدل بأنها هي قاعدة الحكم للدولة العتيدة، فالطريق إلى التغيير المنشود لا يتم ضمن مسار مبسط وروتيني، بل لا بد وان يكون مشوباً - في المرحلة الانتقالية على الأقل- بصراعات ومنافسات وتفاعلات حيوية تتم خارج دائرة الصراع على السلطة، وبمنأى عن أدواتها المعروفة، وصولاً الى نظام جديد للتفكير والسياسات والعلاقات. نشرنا في العددين الماضيين  خيارات التحول الديمقراطي و اتجاهات متعددة في الطريق إلى التنمية ، ومن ضمن الاشكاليات والتحديات التجديد المنهجي والمرجعية الاقتصادية
ثالثا : الاشكاليات التحديات
2- التحليل التاريخي والاجتماعي للمشكلة الاقتصادية
تفتقر التيارات الإسلامية أيضاً إلى تحليل تاريخي واجتماعي للمشكلة الاقتصادية، وهو يضعف قدرتها على التعامل بعمق مع المسائل الرئيسية التي تتمايز بناء عليها المدارس الاقتصادية، التي لا يمكن حسمها من خلال الاجتهاد التقليدي وحده، بل تحتاج إلى قراءة معرفية ومعالجة علمية وتحليل تجريبي، لتحديد موضوعاتها أولاً والحكم عليها ثانياً، وتحديد موقعها في نظام المصالح والمفاسد المأخوذ به شرعا ثالثاً.
ومن هذه المسائل مثلاً: كيف يتقاسم القطاعان الخاص والعام عملية توزيع الموارد؟ ما علاقة سوء توزيع المداخيل على المستوى الوطني بالظلم الاقتصادي على المستوى العالمي؟ أو ما الذي يربط بين التخلف والتبعية؟ وكيف نجمع بين العدالة والفعالية الاقتصادية والتوزيع الأمثل للثروات؟ أو كيف نقيم نظاما اقتصادياً يضمن حدا أدنى من التوزيع العادل؟
لقد لقد استفاد الاسلاميون من المفاهيم التي ابتكرها الفكر الاقتصادي المعاصر والتي تتقاطع أيضاً مع المبادئ العامة للأديان، كإشارة برنامج حزب الحرية والعدالة (2012) بأنّ الإنسان هو محور العملية الاقتصادية ( استعارة من فكر التنمية البشرية )، وأن القيم والأخلاق جزء لا يتجزأ من عملية التنمية الاقتصادية (الليبرالية المجتمعية)، وأن الحرية الاقتصادية لا تكون إلا في إطار المنافسة الشريفة والعادلة حيث الموارد ملك الجميع (الاشتراكية المثالية والرأسمالية الاجتماعية). لكن هذه المبادئ والمقولات المركزية المهمة، ستمر في قنوات تزداد ضموراً كلما اقتربنا من دائرة السياسات، حيث لا يعود ممكناً هناك التمييز بين برنامج ليبرالي وآخر يساري وثالث إسلامي.
لكن لو أخضعنا الأفكار أعلاه إلى التحليل الاجتماعي/التاريخي، لوضعنا مثلاً مفهوم "الكفاية" الإسلامي في سياقه المعاصر، الذي يعني في آن واحد تكافؤ الفرص وعدالة التوزيع، ولأصبح التمييز الاجتماعي في العطاء مسموحاً به في حالة يتيمة فقط عندما يكون الغرض منه تحقيق "أكبر نفع لمن هم اقل حظاً من غيرهم، أي لأولئك الموجودين في (قاع) المجتمع" (Rawls 1971; 1993)، ولانعكس مفهوم مركزية الإنسان على النظرة إلى أسواق العمل، لأن هذا المفهوم يتناقض حكماً مع التعامل مع قوة العمل على أنها سلعة يمكن إخضاعها للقوانين التي تسري في الأسواق الأخرى.
ثم ان إعلاء رتبة الأخلاق الاقتصادية وتشجيع المنافسة الحرة على غيرها من المنافسات الاحتكارية، سيقرب الإسلاميين من نظام التفكير الذي تتبناه الرأسمالية الاجتماعية بقدر ما يبعدهم عن المنهج النيوليبرالي، و سيضعهم كذلك في موقع الرفض لبعض الفرضيات المركزية التي قام عليها التحليل الاقتصادي الرياضي وعلم الاقتصاد عموماً. ومنها فرضية أن السلوك الاقتصادي للأفراد محكوم بتعظيم المنفعة من جانب وتعظيم الربح في جانب آخر، أو فرضية أن عرض العمل والطلب عليه يرتبط أساسا بقيمة الأجر، ارتباط عرض السلع والطلب عليها بأسعارها. إنّ رفض هذه الفرضيات واستبدالها بأخرى يقودنا حتماً في مسار نظري مختلف عن ذلك الذي مشت عليه الرأسمالية الكلاسيكية منذ القرن الثامن عشر، وهو ما سيوصل القوى الإسلامية إلى تبني مرجعية فكرية اقتصادية تتمايز بعض جوانبها عما هو سائد في عالمنا المعاصر، وتتقاطع معها في جوانب أخرى. دون ان تضطر إلى تصنيف نفسها بين يسار ويمين إذ هناك الكثير من المساحات الوسطى التي لم يستكشفها الفكر البشري بعد.

3- السياسات الوطنية والإقليمية والموقف من النظام الدولي:
إنّ إنقاذ المجتمعات الثائرة من تبعات الإهمال والفقر والفشل، يتطلب قبل أي شيء آخر موقفاً من النظام الاقتصادي الدولي و قضايا التبعية وعدم المساواة، ونقداً لأدوار المؤسسات الدولية التي تدير اقتصادات المعونة على نحو غير بناء. فقدر الإسلاميين، و ما ينبغي ان يصير خيارهم المعلن، هو معارضة منطق النظام الاقتصادي الدولي وتبني الرفض القاطع لآليات الهيمنة والتبعية والتجزئة والنمو غير المتكافئ. ثم إن تطور الإسلام السياسي وتفاعله مع الأحداث لا يجب ان يقتصر على احترام التنوع المجتمعي وتعديل رؤيته لعلاقة الدين بالدولة، بل عليه بموازاة ذلك ان يتبنى مقاربة ثورية في مواجهة المشاريع الدولية. وقد أظهرت التجارب الناجحة ان الحق بالتقدم والتنمية ينتزع انتزاعاً، وان أي دولة تحتل موطئ قدم على خريطة الاقتصاد العالمي مرت أولا بمخاض طويل من التجاذب والصراع مع المركزية الغربية، وامتلكت منظوراً واضحاً لكيفية مناوأة لتبعية والهيمنة (تجربة أميركا اللاتينية مثلاً).
هذا يعني ان نموذج التنمية الناجح المطلوب تبنيه، يجب أن يصاغ داخل دوائر ثلاث: دائرة وطنية توضع أهدافها وتحدد مساراتها في إطار إجماع وطني وسياسي واسع النطاق، ودائرة إقليمية تمزج بين التقارب الثقافي والتاريخي والديني داخل المنطقة العربية والاسلامية من ناحية، وتقاطع المصالح وتلاقيها من ناحية أخرى، ودائرة عالمية تقوم على الاندماج في الاقتصاد الدولي لكن ضمن قواعد متكافئة وعادلة تعود بالنفع على كل الأطراف.

في الدائرة الوطنية: ان العقد الاجتماعي الذي سيبني الدولة الجديدة، يحتاج إلى تسويات عميقة بين قوى تتمايز رؤاها الإستراتيجية وخياراتها السياسية والاجتماعية، وليس بين قوى مختلفة فكرياً وثقافياً ومتقاربة سياسياً واجتماعياً. وهذا يعني ان السؤال المركزي المطروح على الإسلاميين بعد ما جرى ويجري من أحداث، لم يعد عن علاقة الدين بالسياسة، ولا عن طبيعة الدولة الجديدة: إسلامية، علمانية، مدنية، بل عن السياسات العامة والتوجهات الأساسية التي يمكن من خلالها إتمام الفعل الثوري، و التخلص من ثم من منظومة الاستبداد والاستتباع والفساد والقهر، وبناء دولة قادرة على تبادل التأثر والتأثير مع العالم.
إنّ نقل بؤرة التفكير الإيديولوجي من سؤال أي دولة نريد؟ إلى أي سياسات سنعتمد؟ يلزم الجميع بإعطاء الردود المطلوبة على الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية والإستراتيجية الصعبة، التي يعلق عليها لا على عقيدة الدولة، مصير البلدان والمجتمعات ويرسم مسارها المستقبلي على المدى البعيد. وعلى الإسلاميين الذين نجحوا في تقديم إجابات واضحة على الأسئلة المتعلقة بشكل النظام السياسي، ان يكون لديهم إجاباتهم الواضحة والمقنعة على الصعد الاجتماعية والاقتصادية، والمتناسبة أيضاً مع الطابع الثوري للحدث، الذي يجب ان يتردد صداه في السياسات الخارجية وفي إدارة الدولة وفي السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
الصفحة الرئيسية
تعريف بالاتحاد
معرض الصور
ركن المزارعين
المخيم النقابي المقاوم 2013
موقف الاسبوع
متون نقابية
بيانات
دراسات وابحاث
ارشيف
اخبار متفرقة
مراسيم -قوانين - قرارات
انتخابات نقابية
مقالات صحفية مختارة
صدى النقابات
اخبار عربية ودولية
اتحادات صديقة
تونس
الجزائر
السودان
سوريا
العراق
سجل الزوار معرض الصور
القائمة البريدية البحث
الرئيسة RSS
 
Developed by Hadeel.net