٢٥ أيلول ٢٠٢٦ 
أصدر اتحاد الوفاء لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان البيان التالي: لم يعد ارتفاع الأسعار أزمة معيشية عابرة، بل تحوّل إلى سياسة استنزاف يومية تطحن أجور العمال وتدفع الأسر اللبنانية إلى العجز والفقر، فيما تقف السلطة متفرجة، بل وتشارك عملياً في تعميق الأزمة عبر الضرائب والرسوم ورفع كلفة الخدمات الأساسية. إن الأرقام المنشورة أخيراً تكشف حجم الكارثة: فإدارة الإحصاء المركزي سجّلت ارتفاعاً سنوياً في أسعار المستهلك بنسبة 16.66% في آب 2026، فيما تؤكد منظمة العمل الدولية أن سوق العمل اللبناني تلقّى ضربة قاسية، وأن ثلث العمال الذين شملهم مسحها لم يعودوا يعملون عند إجراء المسح، بينما تراجع دخل العاملين الذين بقوا في العمل. لكن الأخطر من الأرقام الرسمية هو ما يعيشه العامل فعلياً كل يوم. كيف يمكن لعامل أن يعيش بدخل يناهز 311 دولاراً، فيما تحتاج أسرة من أربعة أشخاص إلى أكثر من 1400 دولار شهرياً لتأمين السكن والغذاء والكهرباء والمياه والنقل فقط؟ هذه ليست معادلة اقتصادية، بل معادلة سحق اجتماعي. فالإيجار وحده في كثير من المناطق اللبنانية يلتهم دخلاً كاملاً، والكهرباء أصبحت فاتورة مزدوجة، والنقل يستنزف الأجر، والغذاء بات يُختصر إلى الحد الأدنى الضروري للبقاء، فيما تبقى تكاليف الطبابة والاستشفاء والتعليم والدواء والاتصالات وسائر الاحتياجات خارج الحساب. وهنا نسأل السلطة بوضوح: أي إصلاح هذا الذي يبدأ من جيب العامل؟ وأي إنقاذ هذا الذي يترك المواطن يدفع ثمن الكهرباء والمياه والنقل والاستشفاء، ثم يطالبه فوق ذلك بضرائب ورسوم إضافية لتمويل عجز الدولة؟ إن اتحاد الوفاء يرى أن السلطة، بدلاً من أن تواجه الاحتكارات والأسواق المنفلتة وتضع سياسة حقيقية للأجور والأسعار، اختارت الطريق الأسهل: زيادة الضرائب والرسوم، ورفع كلفة الاستهلاك، وتحميل العمال والموظفين والفئات الشعبية فاتورة الانهيار. فالضريبة على البنزين ضريبة على العامل الذي يحتاج إلى الوصول إلى عمله، والضريبة على الاستهلاك اقتطاع مباشر من أجر الأسرة، وكل زيادة في كلفة الخدمات الأساسية تعني عملياً خفضاً إضافياً في قيمة الأجور. والأخطر أن السلطة تتعامل مع الأرقام بمعزل عن الواقع الاجتماعي، وكأن انخفاض سرعة التضخم يعني أن الأزمة انتهت، بينما الحقيقة أن الأسعار التي ارتفعت خلال سنوات الانهيار لم تعد إلى الوراء، وأن العامل لا يقارن راتبه بنسبة التضخم فقط، بل يقارنه بما يستطيع أن يشتريه بهذا الراتب. لقد بات واضحاً أن قدرة الأجر على تأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة، مع هذه السياسة الاقتصادية، أصبحت مستحيلة، فيما تستمر السلطة في إدارة الأزمة بمنطق المحاسبة والخزينة والتحصيل، لا بمنطق حماية الإنسان وحقه في الأجر العادل والضمان الاجتماعي والخدمات العامة. إن اتحاد الوفاء لنقابات العمال والمستخدمين يرفض تحويل العمال إلى صندوق لتمويل الدولة، ويرفض أن تكون زيادة الضرائب والرسوم هي الحل الجاهز لكل أزمة، ويطالب الحكومة بـ: - إقرار سياسة عاجلة للأجور تعيد ربطها بالغلاء وكلفة المعيشة الفعلية. - رفع قيمة بدل النقل فوراً وربطها بالارتفاع الفعلي في أسعار المحروقات. - وقف التوسع في الضرائب والرسوم على الاستهلاك التي تصيب أصحاب الدخل المحدود قبل غيرهم. - ضبط الأسواق ومواجهة الاحتكارات والتلاعب بالأسعار، بدلاً من تحميل المستهلك نتائجها. - حماية الخدمات العامة في الكهرباء والمياه والنقل والاستشفاء والتعليم، لأن المواطن لا يجوز أن يدفع مرتين: مرة للدولة ومرة لبدائل خدماتها. - إعادة توزيع الأعباء المالية بعدالة، بحيث لا يبقى العامل وصاحب الدخل المحدود الحلقة الأضعف في تمويل الخزينة. إننا في اتحاد الوفاء نقولها بوضوح: لم يعد مقبولاً أن تطلب السلطة من العامل أن يتقشّف أكثر، فيما لا تتقشّف هي عن سياساتها الخاطئة، ولا تواجه مكامن الهدر والاحتكار، ولا تضع خطة حقيقية لاستعادة القدرة الشرائية. وإذا كانت السلطة عاجزة عن حماية الأجر من الغلاء، فعليها أن تعرف أن الاحتقان الاجتماعي لا يُدار بالتصريحات ولا يُطفأ بالمسكنات، وإنما بمعالجة أسبابه قبل أن يصبح الانفجار الاجتماعي أوسع من قدرة الجميع على احتوائه. |