٦ آذار ٢٠٢٦ 
في حرب 2026، ظهر اسم جديد في السماء: «لوكاس». طائرة انتحارية أميركية بروح «شاهد»، ووصلة فضائية مموّلة من فواتير الإنترنت. فجر الثامن والعشرين من شباط (فبراير) 2026، وفي خضمّ العملية العسكرية الأميركية ــ الإسرائيلية المشتركة التي أُطلق عليها اسم «الغضب الملحمي»، أعلنت القيادة الأميركية المركزية للمرة الأولى في تاريخها استخدام طائرات انتحارية أحادية الاتجاه، مهندسة عكسياً من «شاهد» الإيرانية، في المعركة الفعلية، مُعلِنةً بذلك لحظة تاريخية تُلخّص فصلاً جديداً في سجل الاستعمار التكنولوجي الغربي: الولايات المتحدة، التي دائماً ما صدّرت الحروب إلى بلاد أخرى باسم الديموقراطية والنظام، واتهمت العالم بسرقة تقنياتها، تضرب إيران بنسخة مسروقة من سلاح إيراني، بعدما فكّكته وأعادت تجميعه، وزوّدته بأقمار ابن شركتها المفضّلة في وادي السيليكون. حين يسرق المستعمِر أدوات المقاومة تبدأ القصة بطائرة مُسيّرة إيرانية اسمها «شاهد-136»، تلك القذيفة الطائرة بأجنحة «دلتا» مثلثة، التي زعزعت ثقة إسرائيل بمنظومة دفاعها ووصلت إلى أوكرانيا تحت الاسم الروسي «جيران-2». قبل سنوات، أسقطت القوات الأميركية في العراق وسوريا عدداً من هذه الطائرات، أو التقطت بقاياها من الأرض. ما فعله المهندسون الأميركيون بعد ذلك أنهم فكّكوها وأعادوا تصنيعها بادّعاء الريادة. وصحيح أن الدول تحاول تقليد أسلحة خصومها طوال الوقت، لكن أن تبني واشنطن سلاحاً مبنياً على تكنولوجيا إيرانية، فهذه حالة غير عادية. المنتج النهائي لهذا المشروع هو «لوكاس» (LUCAS)، اختصاراً لـ«نظام الهجوم القتالي المنخفض التكلفة»، طوّرته شركة «سبكتر وركس» (SpektreWorks) في أريزونا بالتعاون مع البنتاغون، وقُدّم رسمياً في تموز (يوليو) 2025 بحضور وزير الدفاع. المقارنة بين النسختين «الشاهد-136» الإيرانية طولها 3.5 أمتار، وتعمل بمحرك رباعي الأسطوانات يُصدر ضجيجاً مميزاً صار جنود أوكرانيا يتعرّفون إليه بالأذن في الظلام. مداها مُقدَّر بين 970 و1500 كلم (يصل إلى ألفَي كيلومتر وفقاً لأقصى التقديرات)، وتحمل رأساً حربياً يزن بين 36 و50 كيلوغراماً، وتكلّف ما بين 20 و50 ألف دولار. بُنيت تحت ضغط الحصار، وصُمّمت في الظل. تعمل «لوكاس» الأميركية بمحرك ثنائي الأسطوانات أهدأ وأقلّ انكشافاً حرارياً. تكلفتها 35 ألف دولار، وتحمل رأساً حربياً يفوق في تأثيره صاروخ «هِلفاير». تستطيع الإقلاع من شاحنة متحركة، ومصمّمة للعمل ضمن أسراب تنسّق هجماتها باستقلالية بفضل الذكاء الاصطناعي. بُنيت بميزانيات لا حصر لها، وقُدّمت في مؤتمرات صحافية على أنها اختراع. «ستارلينك» للشعوب… «ستارشيلد» عليها حين نشرت القيادة المركزية الأميركية صور عملية «الغضب الملحمي» رسمياً، تنبّه الناس على منصات التواصل إلى جسم بارز على ظهر «لوكاس» لم يُشر إليه البيان الرسمي، وهو طبق اتصال فضائي. كما ظهر واضحاً في فيديوهات وثّقت انتشال طائرة «لوكاس» بعدما سقطت في أرجاء المنطقة. ردّ ماسك على منصة «إكس» في غضون 55 دقيقة، مؤكداً على أن تثبيت طبق «ستارلينك» التجاري على منظومة أسلحة ينتهك شروط الخدمة، وأن الاتصالات العسكرية تمر عبر شبكة منفصلة اسمها «ستارشيلد» تشغّلها الحكومة الأميركية وليست خاضعة لسيطرة «سبايس إكس». ماسك لم ينفِ وجود الصحن اللاقط على الطائرة؛ أكّد فقط أنه لا يُدار من مكتبه. من جهتها، لم تُفصح واشنطن حتى الآن عمّا إذا كانت الطائرة تعمل عبر «ستارلينك» التجاري أم عبر «ستارشيلد» العسكري. وقلة تعرف عن مشروع «ستارشيلد». نُشرت «ستارشيلد» في المدار مغلّفة بخطاب التطوير والاتصال الإنساني أطلقت «سبايس إكس» مشروع «ستارشيلد» في كانون الأول (ديسمبر) 2022 بعيداً من الأضواء. والفرق بين الاسمين يمتد إلى فلسفتين متناقضتين تسكنان منزلاً واحداً. «ستارلينك» هو الإنترنت الفضائي التجاري الذي يستخدمه المزارع في أستراليا، والصياد في إندونيسيا، واللاجئ في السودان. يُقدَّم على أنه أداة تحرير رقمية، وصلت إلى المناطق النائية التي أهملتها شبكات الاتصال التقليدية. الصورة إنسانية مؤثرة، غير أنها نصف الحقيقة. «ستارشيلد» هو ما يعمل خلف تلك الصورة. يضيف فوق البنية التحتية لـ«ستارلينك» طبقات من التشفير رفيع المستوى القادر على نقل بيانات سرية، ويرتبط بأقمار حكومية أطلقها مكتب الاستطلاع الوطني الأميركي ظلّت لسنوات طيّ الكتمان. وبحلول نيسان (أبريل) 2025، كان قد أُطلق في المدار ما لا يقل عن 183 قمراً من هذه الشبكة الموازية. تتحكم «سبايس إكس» بخدمة «ستارلينك»، والحدود بين الشبكتين في الممارسة الفعلية ضبابية: انقطاع «ستارلينك» أثّر مباشرةً في «ستارشيلد» في حوادث موثّقة، وبعض الأجهزة الحكومية تتصل بالشبكتين في آن واحد. ما يعنيه هذا الغموض المتعمّد هو نشر بنية تحتية عسكرية في المدار، مغلّفة بخطاب التطوير والاتصال الإنساني، وهو النمط نفسه الذي اتبعه الاستعمار الكلاسيكي حين بنى السكك الحديد مدّعياً أنها لخدمة الناس، فيما كانت لتسهيل نقل الموارد. اشتراك إنترنت «ستارلينك» ثمن قنبلة هذه هي المعادلة التي يتجنب الإعلام الأميركي تسميتها. لم تُبنَ «سبايس إكس» عبر عقود البنتاغون وحدها. بُنيت على ملايين المشتركين في «ستارلينك» حول العالم، يدفعون شهرياً مقابل إنترنت من الفضاء. موّلت هذه الإيرادات التجارية تطوير الأقمار الاصطناعية، وخفّضت تكاليف إطلاق الصواريخ، وبنت البنية التحتية التي تشغّل «ستارشيلد». المُشترك في نيجيريا أو ماليزيا يُسهم، وهو لا يعلم، في تمويل منظومة اتصالات تُوجّه طائرات انتحارية على بُعد آلاف الكيلومترات. أكثر من سبعة عقود، كانت الولايات المتحدة تبني استراتيجيتها العسكرية على فلسفة واحدة: من يملك التكنولوجيا الأعقد، يملك القرار. طائرة B-2 بمليار دولار. طائرة F-35 بثمانين مليوناً. صاروخ توماهوك بمليون وربع. ثم جاءت «شاهد-136» بثلاثين ألف دولار، صنعتها دولة تحت الحصار، وقلبت المعادلة. استجابة الولايات المتحدة كانت استنساخ سلاح المُحاصَر وتسميته اختراعاً، وتوصيل ذلك الاختراع بشبكة فضاء موّلها مشتركو الإنترنت حول العالم من دون علمهم. هذا هو وجه الاستعمار التكنولوجي اليوم: تكاليف الحرب فاتورة شهرية يسدّدها أنت. المصدر : الأخبار |