٢٦ آذار ٢٠٢٦ 
ليس «مشروع الطيبة» مجرد منشأة مائية في بلدة جنوبية، بل هو واحد من المواقع التي تختصر طبيعة الجنوب اللبناني نفسه: أرضٌ تتجاور فيها الحاجات اليومية للناس مع خطوط التماس، وتلتقي فيها البنية التحتية المدنية بالحسابات العسكرية. أمس، عاد المشروع المائي الأهم في جنوب لبنان إلى الواجهة، لا من باب تشغيله أو ربطه بمختلف القرى الجنوبية، بل من خلال محاولات التقدم الإسرائيلية منه إلى القرى الخلفية الأقرب إلى ضفاف الليطاني مثل القنطرة والغندورية ثمّ وادي الحجير. فشلت المحاولات، وتحولت ربما إلى «مجزرة ميركافا 2»، بعد أن أكّدت المقاومة تدمير ما يزيد عن 20 دبابة للعدو في محاولته للتمدد شمال الطيبة. فالمشروع، الواقع في الجزء المنخفض من نطاق بلدة الطيبة، الواقعة خلف بلدة العديسة الحدودية، وإلى جانب بلدة رب ثلاثين، لا يكتسب أهميته من كونه محطة مياه فقط، بل أيضاً من موقعه الجغرافي الحساس القريب من الحافة الحدودية أو الحافة الأمامية، ما جعل من اسمه، أي «مشروع الطيبة» يتكرر في التغطيات الميدانية والحربية بوصفه نقطة اشتباك أو تموضع أو استهداف في أكثر من مواجهة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي. مشروع الطيبة ليس مجرد منشأة مائية، بل نقطة تتقاطع عندها البنية التحتية مع الحسابات العسكرية. في هذا الموقع تحديداً، يتداخل ما هو خدماتي بما هو استراتيجي. فالمشروع يقع في ممر جغرافي شديد الحساسية بين مجرى الليطاني والقرى الأمامية، ضمن نطاق ميداني يجعل منه نقطة ذات وزن في أي محاولة للسيطرة على منطقة جنوب نهر الليطاني. لذلك، لا يظهر اسم «مشروع الطيبة» فقط في الأخبار المتعلقة بالمياه، بل أيضاً في البيانات العسكرية والتغطيات الميدانية، سواء بوصفه منطقة استهداف أو موضعاً تتقاطع عنده خطوط النار والمراقبة والتموضع. هذه الحساسية لا تعود إلى كونه موقعاً عسكرياً بالمعنى المباشر، بل إلى كونه منشأة حيوية في نقطة جغرافية بالغة التأثير، حيث تسمح السيطرة عليه بالسيطرة نارياً على القرى الواقعة خلفه والأقرب إلى الليطاني مثل القنطرة والغندورية، كما تؤدي السيطرة عليه إلى تعطيل وضرب إمدادات المياه في مساحة واسعة من الجنوب. في العدوان الإسرائيلي اليوم، عاد اسم الموقع إلى الواجهة مراراً في التغطيات الإخبارية للاعتداءات، مع الحديث عن استهدافات وقعت في محيطه، بما يعكس مرة جديدة أن المنطقة ليست هامشية في الحسابات الميدانية، بل جزء من فضاء حدودي متداخل تتقاطع فيه أهمية الأرض مع أهمية المنشأة القائمة عليها. ومن هنا تحديداً يمكن فهم لماذا يتحول «مشروع الطيبة»، في كل عدوان تقريباً، إلى نقطة حساسة للغاية: لأن موقعه يمنحه قيمة ميدانية، فيما تمنحه وظيفته قيمة حياتية مباشرة للناس. مشروع الطيبة المائي ولكن الأهمية العسكرية للمكان لا يمكن فصلها عن وظيفته الأصلية: الماء. فمشروع الطيبة هو في الأساس عقدة رئيسية داخل مشروع أكبر هو القناة 800، أي منظومة جرّ مياه الليطاني إلى القرى والبلدات الجنوبية الواقعة على ارتفاع يقل عن 800 متر فوق سطح البحر. ويهدف هذا المشروع الأكبر إلى نقل كميات كبيرة من المياه من بحيرة القرعون لتأمين مياه الري ومياه الشفة لعشرات القرى الجنوبية. ووفق معطيات المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، فإن القناة 800 تستهدف استجرار نحو 100 مليون متر مكعب من المياه لري نحو 15 ألف هكتار، إلى جانب تزويد عشرات البلدات والقرى بمياه الشرب. ضمن هذه المنظومة، يشكل مشروع الطيبة محطة محورية، لأنه ليس مجرد خزان أو خط عبور، بل منشأة سحب وضخ ومعالجة. فالمحطة تشمل مأخذ مياه خام، ومحطة ضخ، ومحطة تكرير أو معالجة، وخزاناً، ومحطة كهرومائية صغيرة (محطة القناة 800 بقدرة 1 ميغاواط)، وهي بذلك تمثل واحدة من أهم العقد التشغيلية في الشبكة الجنوبية. ومن خلالها تُسحب المياه من الليطاني، ثم تُرفع وتُعالج، قبل أن تُضخ نحو شبكات التوزيع التي تغذي عدداً كبيراً من بلدات الجنوب. وتبرز أهمية المشروع المائية أكثر حين يُنظر إلى أثر تعطله. فالمسألة لا تتعلق ببلدة الطيبة وحدها، بل بشبكة أوسع تمتد إلى عدد كبير من قرى قضاءي مرجعيون وبنت جبيل، ومحطات ضخ وتوزيع أخرى مرتبطة بها. ولهذا السبب، كان أي خلل في محطة الطيبة أو في تجهيزاتها الكهربائية والميكانيكية ينعكس مباشرة على التغذية المائية في المنطقة، ما جعل أعمال الصيانة وإعادة التأهيل هناك مسألة ملحّة لا تقل أهمية عن إنشاء المشروع نفسه. وتظهر وثائق تحديث الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه لعام 2020 بوضوح أن منشآت الطيبة كانت تحتاج إلى إعادة تأهيل واسعة نتيجة تردّي وضعها، بما يشمل محطة التكرير، ومحطة الضخ، والخزان، إلى جانب تأهيل المأخذ، وإنشاء محطة ضخ جديدة عند نقطة السحب، ومدّ خط نقل جديد من المأخذ إلى محطة المعالجة. هذا يعني أن المشروع ليس فقط جزءاً من بنية قائمة، بل أيضاً جزء من خطة تحديث ضرورية لاستمرار عمل الشبكة الجنوبية المرتبطة بالقناة 800. مشروع الطيبة داخل منظومة القناة 800 أما تاريخياً، فلا يمكن فصل مشروع الطيبة عن تاريخ القناة 800 نفسها. فمشروع نقل مياه الليطاني إلى جنوب لبنان يعود في جذوره التخطيطية إلى عقود مضت، لكنه تأخر طويلاً بفعل الحروب الإسرائيلية والتعقيدات السياسية والأمنية والعقبات التنفيذية. ولم يدخل التنفيذ الحديث فعلياً إلا في العقد الثاني من الألفية الحالية، بعد إطلاقه رسمياً عام 2012 بتمويل عربي. وبذلك، فإن مشروع الطيبة، بوصفه جزءاً من هذه المنظومة، هو ثمرة مسار طويل من التخطيط المؤجل والتنفيذ المتعثر، قبل أن يتحول إلى محطة حيوية داخل الشبكة. وفي المسار التنفيذي، تطور المشروع الأكبر على مراحل ومقاطع متتالية، تمتد من منشآت السحب في الغرب والبقاع الغربي، مروراً بالأنفاق والمقاطع الرئيسية، وصولاً إلى الطيبة ثم شقرا فبنت جبيل. وهنا بالذات تظهر الطيبة كحلقة حاسمة في سلسلة نقل المياه إلى الجنوب، ما يفسر إدراج تأهيلها وتحديثها في صلب أولويات التخطيط المائي الرسمي. فحين تكون هذه المحطة في وضع متردٍّ، لا يكون الخلل محلياً، بل يطال جزءاً أساسياً من قدرة الشبكة على العمل. هكذا، تتجمع في مشروع الطيبة وظيفتان تبدوان منفصلتين ظاهرياً لكنهما متداخلتان بالكامل في الواقع. فهو، من جهة، شريان مائي يضمن وصول المياه إلى عشرات البلدات والقرى الجنوبية، ويؤدي دوراً أساسياً في دعم الزراعة والحياة اليومية. وهو، من جهة أخرى، موقع حدودي حساس يجعل منه نقطة ذات وزن خاص في أي مواجهة مع إسرائيل، سواء من زاوية المراقبة أو الاستهداف أو السيطرة على محيطه. ومن هنا تنبع فرادته: فالمشروع ليس مجرد محطة بنية تحتية، وليس مجرد نقطة على خريطة الحرب، بل هو نموذج مكثّف عن الجنوب نفسه، حيث تتجاور الحياة مع التهديد، وتصبح منشأة المياه جزءاً من معادلة الصمود. تعطيل مشروع الطيبة لا يضرب محطة محلية فقط، بل ينعكس على شبكة واسعة من إمدادات المياه في الجنوب. خلاصة الأمر أن مشروع الطيبة هو أكثر من منشأة خدماتية محلية. إنه عقدة استراتيجية داخل القناة 800، تسحب المياه من الليطاني وتعالجها وتضخها نحو عشرات البلدات، وفي الوقت نفسه يقع في موضع جغرافي يجعل منه هدفاً أو ساحة أو نقطة ارتكاز في كل جولة تصعيد على الحدود الجنوبية. لذلك، فإن أهمية المشروع لا تُقاس فقط بما يضخه من ماء، بل أيضاً بما يمثله من قدرة على إبقاء الحياة اليومية قائمة في عدد كبير من القرى الجنوبية التي تعتمد عليه لتأمين المياه للزراعة والاستخدام المنزلي. معلومات عامة الاسم: مشروع الطيبة الوظيفة: سحب ومعالجة وضخ المياه ضمن شبكة القناة 800 الموقع: في الجزء المنخفض من بلدة الطيبة عند ضفاف نهر الليطاني أو بمحاذاته الدور: جزء من مشروع القناة 800 لنقل مياه الليطاني إلى قرى الجنوب الواقعة تحت منسوب 800 متر الأهمية المائية: تغذية عشرات البلدات الجنوبية بمياه الشفة وربطها بشبكات الضخ والتوزيع الأهمية العسكرية: موقع حدودي حساس يتكرر حضوره في الحروب بفعل قربه من الجبهة وتأثير تعطيله على الحياة اليومية في الجنوب المصادر: المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، وثيقة تحديث الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه 2020، وتقارير صحافية ميدانية عن موقع المشروع ودوره. المصدر : الأخبار |