١٠ تموز ٢٠٢٦ 
أقرّت الحكومة مشروعاً يعيد هيكلة وزارة الاتصالات بطريقة تطيح جهازها التشغيلي قبل إنشاء البديل. خطوة تمنح الوزير نفوذاً واسعاً وتفتح الباب أمام مرحلة انتقالية غامضة قد تغيّر مستقبل القطاع. لم تعد خيارات حكومة الرئيس نواف سلام المعادية للمصلحة العامة والمال العام مفاجئة. فبعد تمرير سلسلة من اقتراحات ومشاريع تضعف مؤسسات الدولة وقطاعاتها، أقرّ مجلس الوزراء في جلسته أمس مشروع مرسوم قدّمه وزير الاتصالات شارل الحاج لإعادة هيكلة وزارة الاتصالات، وإعادة توزيع الصلاحيات بين إداراتها ووحداتها المختلفة. وبموجب المشروع، تُلغى مديريتان عامتان تشغيليتان، تمهيداً لتحويل الوزارة إلى جهة تُعنى بوضع السياسات والرقابة، بذريعة تطبيق قانون الاتصالات الذي ينص على إنشاء شركة Liban Telecom وإسناد مرفق الاتصالات إليها. إلا أن هذه الشركة لم تُنشأ حتى الآن، ما يعني أن القطاع لم يصبح جاهزاً لهذا التحول. وبالتالي، فإن تطيير المديريتين قبل قيام البديل، وفي ظل مرسوم يكتنفه كثير من الغموض بشأن المرحلة الانتقالية ومدتها، يفتح الباب أمام فوضى إدارية، ويؤدي إلى تداخل الصلاحيات وتضييع المسؤوليات، ومنح الوزير صلاحيات مُطلقة تخوّله تمديد المدة الانتقالية إلى ما شاء الله والتفرّد بالقرارات. وبخلاف بعض أسلافه، لا يُضيّع الحاج وقته في عقد صفقاتٍ لتلزيم هذه الخدمة أو تلك من خدمات الاتصالات بغية تحقيق مكاسب آنية، بل يعتمد مقاربة أكثر خطورة، تتصل بخيارات استراتيجية من شأنها إضعاف قطاع الاتصالات وتهديد مستقبله، في وقت يحتاج فيه إلى رؤية إنقاذية، لا إلى خطوات قد تفضي إلى تفكيكه، لحساب شركاتٍ وجهاتٍ ينتمي الحاج إلى عالمها، تخطّط لابتلاع القطاع بأبخس الأثمان. ويندرج في هذا السياق اقتراح الحاج إعادة تلزيم إدارة شركتَي الخليوي (MIC1 وMIC2) وفق الآلية نفسها التي اعتُمدت سابقاً مع تكليف شركة «زين» إدارة «تاتش» وشركة «أوراسكوم» إدارة «ألفا»، وذلك رغم التجربة السيئة مع هذا النوع من التلزيمات التي أدت إلى تراجع أداء القطاع. وفي الإطار نفسه، يعيد الحاج إحياء قانون الاتصالات الرقم 431/2002، بعد 24 عاماً على إقراره، متمسكاً بتطبيقه رغم أنه لم يعد صالحاً في ظل تطور القطاع، ما يستوجب إقرار إطار تشريعي جديد بدلاً من التمسك بقانون تجاوزه الزمن. والمفارقة أن الاقتراح الذي أقرّه مجلس الوزراء أمس يستند إلى هذا القانون المتقادم، لكنه يطبّقه «بالمقلوب». بمعنى أوضح، يقترح الحاج إلغاء الهيكلية الحالية لوزارة الاتصالات، التي ترتكز بصورة أساسية على مديريتَي «الإنشاء والتجهيز» و«الاستثمار والصيانة»، واستبدالهما بمديرية عامة تُعنى بالدراسات والشؤون الاقتصادية، والسياسات والعلاقات العامة. وبذلك، تتحول الوزارة إلى جهة تضع السياسات وتمارس الرقابة، بصفتها ممثلة للدولة المالكة، على شركة Liban Telecom التي يُفترض أن تتولى إدارة قطاع الاتصالات، فيما تحتفظ الدولة بحصة فيها. وبذلك، يفرّغ الحاج الوزارة من جهازها التشغيلي، المسؤول عن الإدارة اليومية للمرفق العام. فمديرية «الاستثمار والصيانة»، على سبيل المثال، تمر عبرها العمليات المرتبطة بشراء السعات الدولية من شركات الإنترنت، وأعمال التشغيل والاستثمار والصيانة للشركات، وأعمال الصيانة في هيئة أوجيرو وتحديد المبالغ المالية اللازمة، إضافة إلى استيراد المعدات.... وسائر الأعمال التشغيلية المرتبطة بالقطاع. وتكمن الخطورة في أن إلغاء هذا الجهاز التشغيلي يسبق إنشاء Liban Telecom نفسها، فيما يفترض أن يكون المسار معكوساً لضمان انتقال طبيعي للمهام ومنع حصول أي فراغ إداري أو تشغيلي. فالتسلسل المنطقي يبدأ بإنشاء الشركة، ثم تعيين مجلس إدارتها، يلي ذلك إنجاز جرد شامل لأصول القطاع وتقييمها، تمهيداً لنقلها، مع الموظفين والعقود والالتزامات والصلاحيات، إلى الشركة الجديدة. وتشمل هذه الأصول شبكات الاتصالات الوطنية، والكابلات، والسنترالات، والترددات، والأرقام، والحقوق المالية وسائر الموجودات المرتبطة بالمرفق. وبعد التأكد من جاهزية Liban Telecom لتولي إدارة هذه الأصول والشبكات، يصبح منطقياً عندها إعادة هيكلة وزارة الاتصالات وتحويلها إلى وزارة تُعنى بالسياسات والرقابة، لا العكس. مشروع يعيد هيكلة وزارة الاتصالات ويمنح الوزير نفوذاً واسعاً ويفتح الباب أمام مرحلة انتقالية غامضة قد تغيّر مستقبل القطاع مشروع المرسوم الذي أقرّته الحكومة أمس، رغم اعتراض وزير الصحة ركان ناصر الدين ووزيرة البيئة تمارا الزين، وُزّع على الوزراء قبل أقل من 48 ساعة من انعقاد الجلسة. ومع ذلك، لم يطلب معظم الوزراء تأجيل البتّ فيه لإتاحة الوقت لدراسته، رغم أنه يُحدث تغييراً جذرياً في هيكلية وزارة بكاملها. ويبدو، على الأرجح، أن رئيس الحكومة وعدداً من الوزراء وافقوا على مشروع لم يطّلعوا عليه بصورة كافية، ولا يدركون تداعياته. فالمشروع يكتنفه كثير من الغموض. وفي حين أنه يتحدث عن مرحلة انتقالية تفصل بين إلغاء الجهاز التشغيلي الحالي وإنشاء Liban Telecom، إلا أنه لا يحدد مدة هذه المرحلة، ولا الجهة المخولة إعلان انتهائها أو تمديدها، ولا المعايير التي تُعتمد لتقييم جاهزية الشركة الجديدة لتسلّم القطاع. كما يغيب عنه تحديد واضح للجهة التي ستتولى، خلال هذه المرحلة، إدارة الشبكات، والعلاقة مع المشتركين والموردين، وأعمال الصيانة، وضمان استمرارية المرفق العام، والاستيراد والإنفاق، وسائر المهام التي تضطلع بها اليوم مديريتا «الإنشاء والتجهيز» و«الاستثمار والصيانة». أما نيات وزير الاتصالات الطامح إلى تركيز كل الصلاحيات بيده، وصولاً إلى اختزال دور مجلس الوزراء، فتظهر بوضوح في الملاحظات التي سجّلها مجلس شورى الدولة على النسخة الأولى من المشروع. ففي تلك النسخة، طلب الحاج منحه تفويضاً مفتوحاً لتطبيق قانون الاتصالات، إلا أن مجلس الشورى اعترض صراحة، معتبراً أنه «لا يجوز أن يأتي التفويض بصيغة مطلقة وغير محددة، ولا سيما أنه لا يجوز تفويض الصلاحيات الدستورية والتنظيمية». ويعني ذلك أن قانون الاتصالات الرقم 431/2002 أناط هذه الصلاحيات بمجلس الوزراء، ولا يجوز نقلها إلى الوزير. وقد كرّس الشورى هذا المبدأ بقوله: «لا يجوز التفويض على التفويض، طالما أن القانون حدّد دقائق تطبيقه بموجب مراسيم تُتخذ في مجلس الوزراء». ورغم أن الحكومة أقرت نسخة معدّلة أخذت ببعض ملاحظات مجلس الشورى، فإن أهمية النسخة الأولى تكمن في أنها تكشف بعضاً من أهداف الحاج لاستغلال قانون مضى على إقراره نحو ربع قرن، لتوسيع صلاحياته والإمساك منفرداً بمفاصل إدارة أحد أكثر القطاعات الاستراتيجية في الدولة. المصدر: الأخبار |