٢٨ تموز ٢٠٢٦ 
بعد نحو ستة أشهر على إقرار مجلس الوزراء الموافقة المبدئية للانضمام إلى مشروع الكابل البحري الدولي MEDUSA، أعاد وزير الاتصالات طرح الموضوع على المجلس للاستيضاح بشأن مسائل تعدّ بديهية مثل الجهة التي توقع المشروع، أو صاحبة المشروع. إذ بدا كأن المجلس لم يناقش الملف، وأن وزير الاتصالات ليس مطلعاً عليه أصلاً. ففي جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، عرض الوزير ملفاً يتضمن اعتراضات من ديوان المحاسبة بعدما أعطى وزير الاتصالات الضوء الأخضر لهيئة أوجيرو للمضي في توقيع العقد مع الشركة المشغّلة. بالنسبة إلى الديوان، فإن من يملك المشروع هو وزارة الاتصالات وليس الهيئة، وبالتالي هي الجهة المخوّلة أصولاً بالتوقيع، كما أن مثل هذا المشروع لا يمكن إقراره وتنفيذه من دون إقرار الاعتمادات المالية له. وهاتان المسألتان، ناقشهما مجلس الوزراء مجدداً إلى جانب سلّة من الملاحظات التي بنتيجتها يظهر أن مجلس الوزراء لا يكاد يتمتع بأي مستوى من الكفاءة التي تؤهله لإدارة «الدولة». في 15 كانون الثاني الماضي وافق مجلس الوزراء على الانضمام إلى الكابل الممتدّ من أثينا إلى بيروت من خلال توقيع عقد رضائي مع شركة MEDUSA Submarine Cable System S.L باعتبارها المالكة والمشغّلة الوحيدة للمشروع، ورصد اعتماداً في موازنة 2026 لتغطية الدفعات الأولى. يومها أثارت هذه الموافقة التساؤلات بشأن استراتيجية وزارة الاتصالات لأنها كانت تطلب الانضمام إلى الكابل وفي الوقت نفسه تطلب الترخيص لخدمة ستارلينك لتقديم خدمات الانترنت عبر الأقمار الاصطناعية، وبالتالي لم تكن الأولويات والخيارات واضحة لدى الوزارة. ومع ذلك، وافق المجلس على طلبات الوزير شارل الحاج. وحين أحالت وزارة الاتصالات مشروع العقد مع شركة «ميدوسا» إلى ديوان المحاسبة، تبيّن أن كل النقاش السابق لم يكن ذا أي معنى، ليس فقط في ما خصّ الاستراتيجية، إنما أيضاً في ما يخصّ التنفيذ وأصوله. فالديوان ربط موافقته على العقد بشروط توافر الاعتمادات المالية لتغطية كامل الكلفة اللاحقة عبر قانون برنامج، وإعادة عرض مشروع الاتفاق على الرقابة الإدارية المسبقة قبل التوقيع النهائي. كما طلب تنظيم العقد بين وزارة الاتصالات و«أوجيرو» من جهة، و«ميدوزا» أو شركتها الأم من جهة ثانية، مع تحديد حقوق كل طرف والتزاماته بوضوح. كما طلب بياناً مالياً تفصيلياً بجميع مكوّنات الكلفة الإجمالية، مرفقاً بمقارنة معيارية مستقلّة مع أسعار مشاريع مماثلة في الدول المجاورة للتحقق من اعتدال النفقة. كذلك، طلب توضيح الفروقات في الحقوق والالتزامات والكلفة بين خيار حقّ الانتفاع بالفرع البحري وبين نقطة الهبوط المباشرة، إضافة إلى تقديم التراخيص التشغيلية الصادرة عن الهيئة المنظمة للاتصالات أو وضع جدول زمني للحصول عليها قبل بدء التنفيذ، وإصدار المرسوم الذي يجيز اللجوء إلى التحكيم الدولي، ومطالبة الشركة بإعادة النظر في السعر في ضوء التمويل الأوروبي المتاح للمشروع. ديوان المحاسبة ربط موافقته بتوضيحات أساسية مثل توافر التمويل والجهة التي ستوقع العقد بعد صدور رأي الديوان، طلبت وزارة الاتصالات من مجلس الوزراء توضيح قراره السابق، وتمسّكت بأن تتولى «أوجيرو»، بصفتها الجهة التنفيذية، التفاوض والتوقيع منفردة، على أن تتولى التنفيذ والاستلام الفني والتشغيل والصيانة، وتعود الحقوق والسعات والأصول الناتجة من المشروع إلى الدولة اللبنانية. لكن مجلس الوزراء لم يأخذ باقتراح حصر التوقيع بأوجيرو. وقرر، «تماشياً مع توصيات ديوان المحاسبة»، أن توقع وزارة الاتصالات العقد إلى جانب الهيئة، ما يجعل الوزارة طرفاً مباشراً في الاتفاق ولا يحصر المسؤولية التعاقدية بالجهة التنفيذية. كما طلب من وزارة المالية أن تلحظ سنوياً الاعتمادات اللازمة لتمويل كامل قيمة المشروع في مشاريع الموازنات اللاحقة، وقرر إبلاغ ديوان المحاسبة نسخة عن القرار «لأخذ العلم»، مع الإشارة إلى أهمية المشروع وانعكاساته الإيجابية على تحديث شبكة الإنترنت في لبنان. بذلك، باتت وزارة الاتصالات و«أوجيرو» مفوضتين حكومياً بالمضي في التوقيع معاً، لكن منطوق القرار لم يتضمن إشارة صريحة إلى إعادة عرض الاتفاق على الرقابة الإدارية المسبقة قبل توقيعه النهائي، رغم أن ديوان المحاسبة جعل هذه الخطوة شرطاً واضحاً. كذلك، لم يبيّن مصير البيان المالي التفصيلي والمقارنة المستقلة للأسعار، ولا المقارنة بين حق الانتفاع بالفرع البحري ونقطة الهبوط المباشرة، أو ما إذا صدر مرسوم إجازة التحكيم الدولي. وبالنسبة إلى التمويل الأوروبي، أعلنت الوزارة أنها ستكلّف «أوجيرو» التحقق من طبيعته وحجمه وانعكاسه على الكلفة المعروضة على لبنان، والتفاوض على أي خفض ممكن في السعر، من دون أن يعرض منطوق قرار مجلس الوزراء نتيجة هذه المتابعة أو أن يربط التوقيع بإنجازها. أما تنظيمياً، فأكدت الوزارة أن الهيئة المنظمة للاتصالات تمارس صلاحياتها بموجب القانون 431، لكنها اعتبرت أن وزارة الاتصالات لا تزال صاحبة الرخصة إلى حين إنشاء شركة «اتصالات لبنان»، وأن الوزارة وأوجيرو ستلتزمان الحصول على التراخيص والأذونات اللازمة في المراحل التي يستوجبها تنفيذ الكابل قانوناً. إلا أن هذا الرد لم يتضمن التراخيص التشغيلية أو جدولاً زمنياً واضحاً ومثبتاً للحصول عليها قبل بدء التنفيذ، كما طلب ديوان المحاسبة. 19 مليون يورو أم 44 مليوناً؟ تكتسب مسألة الكلفة أهمية خاصة في ضوء اختلاف طريقة احتسابها. فالوزارة تحصر الكلفة الاستثمارية الأساسية للمشروع بنحو 19.33 مليون يورو، وتشمل الانضمام وإنشاء الفرع اللبناني وحقوق الانتفاع والسعات والتجهيزات المشمولة بالعقد الأساسي. أما ديوان المحاسبة، فقد أدخل تجهيزات إضافية ونفقات التشغيل والصيانة على مدى 25 عاماً، مقدّراً الكلفة الإجمالية بنحو 44.34 مليون يورو. وردّت الوزارة بأن نفقات التشغيل والصيانة لا تشكّل التزاماً استثمارياً فورياً، بل تُرصد سنوياً بعد دخول الكابل في الخدمة. صحيح أن هذه النفقات لا تُدفع دفعة واحدة، لكنها تبقى جزءاً من الكلفة التي ستتحملها الدولة خلال عمر المشروع. ومن هنا جاءت مطالبة الديوان ببيان شامل للكلفة ومقارنة مستقلة للأسعار، لا الاكتفاء بقيمة الاستثمار الأولي. المصدر: الأخبار ملاحظة: المواد المنشورة في هذا الباب تمثل آراء كاتبيها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ادارة الموقع. |