الصفحة الرئيسية البحث البريد الالكتروني RSS
فلاشات إخبارية
 
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة

مقالات صحفية مختارة > التعليم في لبنان: سنوات من الدراسة يهزمها اتصال واحد

٢٤ آب ٢٠٢٦

كتب عماد ياغي 

في لبنان، يبدأ الطفل رحلته إلى المستقبل بحقيبة صغيرة على ظهره، بينما تبدأ عائلته رحلة أخرى أثقل بكثير، رحلة الفواتير. يكبر الطفل، تكبر الحقيبة، تكبر الأحلام، وتكبر معها الأقساط، حتى يصبح التعليم في كثير من البيوت اللبنانية أشبه بنهر لا يتوقف عن سحب المال من جيوب الأهل. يدفعون اليوم على أمل أن يحصد أبناؤهم غداً، لكنهم حين يصلون إلى الغد قد يجدون أن الطريق لم يكن ينقصه العلم، بل كان ينقصه "فلان".

 

هكذا يمكن اختصار المأساة التعليمية في لبنان بجملة واحدة: العائلة تدفع ثمن التعليم، والسلطة تدفع بالشباب إلى اليأس، والواسطة تقف عند باب الوظيفة لتقرر من يدخل ومن يبقى في الخارج.

 

في بلد يفترض أن يكون التعليم فيه سلّماً يصعد عليه الفقير والغني معاً، تحوّل السلم إلى درجات متفاوتة الارتفاع؛ من يملك المال يصعد بسهولة، ومن لا يملكه يصعد وهو يحمل فوق كتفيه أثقال الحياة. أما المدرسة الرسمية، التي يفترض أن تكون السلم الذي تمدّه الدولة لكل أبنائها، فقد تُركت في كثير من الأحيان تواجه الريح وحدها، بلا التمويل الكافي ولا الاستقرار الذي تحتاج إليه لتؤدي دورها.

 

والسلطة، بدلاً من أن ترمّم هذا السلم، راحت تراقب العائلات وهي تتسلق جدران التعليم الخاص.

 

كل أزمة تضرب التعليم الرسمي تدفع عائلة جديدة نحو الخاص. وكل ارتفاع في الأقساط يفتح في ميزانية الأسرة جرحاً جديداً. قسط المدرسة، ثم الكتب، ثم القرطاسية، ثم النقل، ثم الدروس الإضافية، ثم الجامعة. وكأن الطفل اللبناني لا يحمل حقيبة مدرسية، بل يحمل معه دفتر حساب مفتوحاً لا يعرف أحد أين تقع صفحته الأخيرة.

 

الأب يعمل، والأم تحاول أن تدبّر ما أمكن، والراتب يتآكل أمام الأسعار كما يتآكل الحجر تحت المطر. وفي آخر الشهر تبدأ الحسابات: ماذا ندفع أولاً؟ القسط أم الإيجار؟ الكتب أم حاجات البيت؟ وكيف يمكن أن نؤمّن للابن ما يحتاج إليه من دون أن نسقط نحن في العجز؟

 

ومع ذلك، تستمر العائلة.

 

تدفع لأنها لا تريد أن تسرق من أبنائها حقهم في المستقبل.

 

تستدين لأنها لا تريد أن تقول لابنها: "لن تستطيع أن تكمل دراستك."

 

تتنازل عن حاجات كثيرة لأنها تؤمن بأن التعليم هو الاستثمار الوحيد الذي لا تريد خسارته.

 

لكن السلطة تبدو وكأنها لا ترى كل هذا.

 

ترى الأرقام، ولا ترى الوجوه خلفها.

 

ترى موازنة، ولا ترى الأب الذي يقف أمام إدارة المدرسة وهو يحاول تأمين القسط.

 

ترى "قطاعاً تربوياً"، ولا ترى الطالب الذي ينام وهو يفكر في امتحان الغد، فيما والده يفكر في كيفية دفع القسط.

 

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: أين الدولة من كل هذا؟

 

التعليم الرسمي ليس صدقة تقدمها الدولة للفقراء عندما تسمح الظروف، بل هو أحد أعمدة الدولة نفسها. وحين تضعف المدرسة الرسمية، لا يسقط جدار واحد فقط، بل يتشقق جزء من البناء الاجتماعي كله.

 

لأن المدرسة الرسمية القوية تعني أن ابن العامل وابن الموظف وابن المزارع يستطيعون أن يقفوا على خط البداية نفسه. أما عندما يصبح التعليم الجيد مرتبطاً بقدرة الأسرة على الدفع، فإن خط البداية نفسه يتحول إلى امتياز.

 

هناك من يبدأ السباق بحذاء رياضي جديد، وهناك من يبدأه حافي القدمين، ثم نطلب من الاثنين أن يركضا بالسرعة نفسها!

 

هذه ليست عدالة.

 

وهنا تأتي المفارقة الأكثر مرارة.

 

بعد سنوات طويلة من الدراسة، وبعد أن تنفق الأسرة ما تستطيع، يصل الطالب إلى الجامعة، يتخصص، يسهر، يقدم الامتحانات، يحصل على الشهادة، ويخرج إلى الحياة حاملاً ملفاً مليئاً بالشهادات والدورات والخبرات.

 

يعتقد أن الباب أصبح أمامه.

 

لكن الباب، في لبنان، قد يكون له حارس آخر.

 

يرسل سيرته الذاتية.

ينتظر.

 

يشارك في مقابلة.

ينتظر.

 

يضيف شهادة جديدة.

ينتظر.

 

ثم يسمع فجأة أن الوظيفة ذهبت إلى شخص آخر.

 

لماذا؟

 

لأن شخصاً ما اتصل بشخص آخر.

 

وهنا تصبح كل سنوات الدراسة وكأنها قطار طويل وصل إلى المحطة، ليكتشف صاحبه أن تذكرة الصعود إلى الوظيفة تحتاج إلى توقيع لا تمنحه الجامعة.

 

في هذه اللحظة، تتحول الواسطة من مجرد ممارسة خاطئة إلى إهانة لكل كتاب قرأه الطالب، ولكل امتحان قدمه، ولكل ليلة سهر فيها، ولكل ليرة دفعتها عائلته.

 

فالواسطة لا تسرق وظيفة فقط؛ إنها تسرق معنى التعب.

 

والمحسوبية لا تهزم شخصاً في مباراة توظيف فحسب؛ إنها تهزم الفكرة التي تربّى عليها هذا الشخص: أن الاجتهاد يؤدي إلى النجاح.

 

وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.

 

عندما يرى الشاب أن العلم لا يكفي، يبدأ بفقدان ثقته بالعلم.

 

وعندما يرى أن الكفاءة لا تكفي، يبدأ بالتشكيك في قيمة الكفاءة.

 

وعندما يرى أن الواسطة أقصر من الشهادة، يبدأ بالسؤال: لماذا أطيل الطريق؟

 

وهكذا تتحول الدولة من مدرسة تعلّم أبناءها معنى المواطنة إلى جامعة كبرى تعطيهم درساً قاسياً في الإحباط.

 

نقول للشاب: "تعلّم، فالعلم سلاح."

 

ثم نتركه عند باب الوظيفة ونقول له: "هل لديك واسطة؟"

 

نقول له: "اجتهد، فالنجاح من نصيب المجتهدين."

 

ثم يكتشف أن هناك من وصل قبله، لا لأنه اجتهد أكثر، بل لأنه يعرف من يجب أن يعرف.

 

يا لها من مادة دراسية غريبة! اسمها "المحسوبية"، لا تدخل في المناهج، ولا تقدمها الجامعات، لكنها قد تكون الأكثر تأثيراً في مستقبل بعض الناس.

 

والسلطة التي تريد من الشباب أن يبقوا في لبنان، عليها أن تسأل نفسها: ماذا قدمنا لهم كي يبقوا؟

 

هل قدمنا لهم مدرسة رسمية قوية؟

 

هل قدمنا لهم جامعة قادرة؟

 

هل وفرنا لهم اقتصاداً ينتج فرص عمل؟

 

هل ضمنّا لهم مباراة عادلة؟

 

هل حاربنا الواسطة فعلاً؟

 

أم أننا نطلب منهم أن يحبوا الوطن كما لو أن الحب وحده يستطيع دفع الأقساط وتأمين الوظيفة؟

 

إن الوطن لا يُبنى بالخطب وحدها.

 

الوطن يُبنى عندما يعرف الطالب أن المدرسة الرسمية لن تتركه خلف الركب.

 

ويُبنى عندما يعرف الخريج أن سيرته الذاتية ستكون أقوى من هاتف الواسطة.

 

ويُبنى عندما تصبح الوظيفة العامة أو الخاصة مساحة للمنافسة العادلة، لا سوقاً لتوزيع الحصص.

 

والأخطر من كل ذلك أن لبنان يدفع ثمناً باهظاً لهذا الواقع: هجرة الكفاءات.

 

فالطالب الذي أنفقت عائلته سنوات على تعليمه، ثم وجد أن وطنه لا يستطيع أن يمنحه فرصة، قد يحمل حقيبته مرة أخرى، ولكن هذه المرة لن تكون حقيبة مدرسة.

 

ستكون حقيبة سفر.

 

وهكذا تتحول الجامعات اللبنانية، من دون أن تقصد، إلى محطات لإنتاج الكفاءات ثم تصديرها. نعلّم الشاب، ندرّبه، نصقل موهبته، ثم عندما يصبح جاهزاً للعمل، يأتي بلد آخر ليقطف الثمرة.

 

كأننا نزرع الحقول ونترك محصولنا للآخرين.

 

وهذا هو السؤال الذي يجب أن يطارد السلطة: كم كفاءة خسرها لبنان لأن باباً أُغلق أمامها، بينما فُتح باب آخر بالواسطة؟

 

لقد آن الأوان لأن يتوقف التعامل مع التعليم كأنه ملف ثانوي يُفتح عندما تتوفر الأموال ويُغلق عندما تقع الأزمة. التعليم هو قلب الدولة، وإذا توقف هذا القلب عن ضخ العدالة، فلن ينفع كثيراً أن نزين الواجهة بالشعارات.

 

نريد مدرسة رسمية قوية لا يشعر فيها الطالب أنه فقير لأنه يتعلم فيها.

 

نريد تعليماً جيداً لا تحدد جودته قدرة الأب على الدفع.

 

نريد جامعة تحترم الشهادة.

 

ونريد سوق عمل يحترم الإنسان وكفاءته.

 

نريد أن يصل الشاب إلى الوظيفة حاملاً شهادته، لا حاملاً دفتر أسماء الأشخاص الذين يجب أن يعرفهم.

 

فالمعادلة بسيطة: من يدرس يجب أن يجد فرصة، ومن يجتهد يجب أن يُكافأ، ومن يملك الكفاءة يجب ألا يخسر أمام الواسطة.

 

أما أن يدفع الأب من قوته، ويدرس الابن نصف عمره، ثم يقف الاثنان أمام باب مغلق بانتظار "مفتاح الواسطة"، فهذه ليست أزمة تعليم فقط.

 

ولم تعد المشكلة تقف عند حدود ارتفاع كلفة التعليم، بل تحوّلت الأقساط في عدد من المدارس الخاصة إلى سباق سنوي لا يبدو أن له سقفاً. ففي كل عام، يجد الأهل أنفسهم أمام زيادات جديدة، وكأن العام الدراسي الجديد لا يبدأ بكتب ودفاتر، بل بفاتورة أكبر. والأكثر إثارة للقلق أن بعض المدارس باتت تتقاضى اليوم أقساطاً بالدولار تتجاوز، في بعض الحالات، ما كانت تتقاضاه قبل انهيار العملة الوطنية والأزمة المالية والاقتصادية، وكأن الانهيار الذي ضرب رواتب اللبنانيين ومدخراتهم لم يصل إلى دفاتر حسابات هذه المؤسسات.

 

وهنا تصبح المفارقة موجعة: دخل الأسرة اللبنانية لم يستعد قيمته السابقة، والرواتب لا تزال عاجزة عن مواكبة كلفة المعيشة، فيما الأقساط التعليمية تواصل صعودها. فيتحول التعليم من حق أساسي إلى اختبار سنوي لقدرة العائلة على الصمود: إمّا أن تدفع، وإمّا أن تبحث عن بديل، وإمّا أن تقف أمام أبنائها عاجزة عن تأمين ما تعتبره حقاً طبيعياً لهم. والأسوأ أن يتحول الأهل إلى أسرى خوف دائم من السؤال نفسه: كم سيصبح القسط في العام المقبل؟

 

وهكذا لا يعود الطالب وحده من يدخل الصف في بداية العام الدراسي؛ يدخل معه راتب الأب، ومدخرات الأسرة، وقلق الأم، وميزانية البيت كلها. وفي بلد أنهكت أزمته الاقتصادية الناس، يصبح السؤال مشروعاً: إلى متى يبقى التعليم قادراً على زيادة كلفته، فيما قدرة الناس على الدفع تتآكل يوماً بعد يوم؟

إنها أزمة دولة.

 

فإذا كان المال يفتح باب التعليم، والواسطة تفتح باب العمل، والهجرة تفتح باب المستقبل، فأيُّ لبنانٍ أبقينا لأبنائنا؟ وأيُّ مستقبلٍ نطلب منهم أن يؤمنوا به، ونحن نغلق في وجوههم كل الأبواب ثم نسألهم لماذا يرحلون؟

 

المصدر: البناء

الصفحة الرئيسية
تعريف عن الاتحاد
محليات
قضايا العمل
الجمهورية الاسلامية في إيران
موقف الأسبوع
اتحادات صديقة
فنون
المخيم النقابي المقاوم
معرض الصور
أخبار عربية
أخبار دولية
متفرقات
مجتمع
قطاعات اقتصادية
إنتخابات نقابية
بيانات
مقالات صحفية مختارة
تشريعات
منصة إكس
ارشيف
منصة إرشاد
ثقافة وتربية
أنشطة عمالية وأخبار نقابية
القطاع العام
صدى النقابات
لبنان بلا دستور
دراسات وابحاث
الأجندة
مواقف وآراء
نافذة على العدو
فرص عمل

لتلقي الأخبار العمالية

إضغط على أيقونة الواتساب أدناه

 

 

أدخل على حساب الفيسبوك 

 

يمكنكم الدخول إلى قناة اليوتيوب

لاتحاد الوفاء بالضغط على الأيقونة أدناه

     

 
Developed by Hadeel.net