الصفحة الرئيسية البحث البريد الالكتروني RSS
فلاشات إخبارية
 
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة

مقالات صحفية مختارة > لو استبدلت السيارة بالحمار... فلن ينجو العلف من الغلاء

٢٧ أيلول ٢٠٢٦

كتب عماد ياغي

 

سألني صديقي: «ولماذا لا نستبدل السيارات بالحمير؟ هكذا نرتاح من البنزين وأسعاره؟»

 

أجبته: «لا تستعجل... سيزداد سعر العلف».

 

ضحكنا. لكن الضحكة سرعان ما تصبح ثقيلة عندما تفكر في الأمر قليلاً. ففي لبنان، لم تعد المشكلة في السيارة وحدها ولا في البنزين وحده. المشكلة في اقتصاد يستطيع أن يلاحق المواطن بالغلاء أينما اتجه. إذا هرب من كلفة الوقود، اصطدم بكلفة النقل، وإذا بحث عن وسيلة أرخص، وجد أن كلفة تشغيلها ونقلها ارتفعت أيضاً. حتى الحمار، لو دخل سوق النقل اللبناني، لن ينجو طويلاً من جدول الأسعار.

 

قد تبدو المسألة نكتة، لكنها تختصر مأساة حقيقية: اللبناني لم يعد يبحث عن الرفاهية، بل عن وسيلة يستطيع بها الوصول إلى عمله من دون أن يدفع جزءاً كبيراً من راتبه ثمناً للطريق.

 

ارتفاع المحروقات لا يتوقف عند محطة الوقود. ينتقل إلى الشاحنة التي تنقل البضائع، وإلى المزارع الذي يشغّل معداته وينقل محصوله، وإلى المصنع الذي يحتاج إلى الطاقة، وإلى السائق الذي لا يستطيع العمل من دون وقود. ثم تصل الكلفة في النهاية إلى المستهلك.

 

وهكذا تدخل صفيحة البنزين إلى كل بيت، حتى لو لم تدخل السيارة إلى كل بيت.

 

بالنسبة إلى عائلة قادرة على تحمّل الزيادة، قد يكون الأمر رقماً إضافياً في المصروف. أما بالنسبة إلى العامل، فقد تكون الزيادة فرقاً بين شراء الدواء وتأجيله، أو بين دفع قسط المدرسة والاستدانة، أو بين تأمين حاجيات البيت وترك بعضها إلى الشهر المقبل.

 

لذلك، القضية ليست كم أصبح سعر صفيحة البنزين.

القضية: كم بقي من راتب العامل بعدما دفع ثمن الوصول إلى عمله؟

هذه هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها النقاش.

 

السائق العمومي أيضاً عالق في المعادلة نفسها. سيارته مصدر رزقه، لكن الوقود يلتهم جزءاً متزايداً من هذا الرزق. إذا بقيت التعرفة على حالها، تراجع دخله. وإذا ارتفعت، انتقلت الكلفة إلى الراكب. وهكذا يجد السائق والمواطن نفسيهما في مواجهة بعضهما، بينما المشكلة أكبر منهما.

 

الحل ليس في دفع أحدهما ثمن الآخر، بل في سياسة نقل تخفف الكلفة عن الاثنين. النقل العام ليس ترفاً في بلد ترتفع فيه كلفة المحروقات، بل ضرورة اقتصادية. ودعم السائقين لا ينبغي أن يكون وعداً موسمياً يظهر عند اشتداد الأزمة ثم يختفي عندما تهدأ الضجة.

 

والأمر نفسه ينطبق على المزارع والصناعي والمنتج. لا يمكن أن نطلب أسعاراً منخفضة بينما ترتفع كلفة الطاقة والتشغيل والنقل، ثم نغضب عندما تصل السلعة إلى السوق بسعر أعلى. إذا أردنا تخفيف الأسعار، علينا أن ننظر إلى الكلفة منذ لحظة الإنتاج وحتى وصول السلعة إلى المستهلك.

 

أما الأجور، فقصتها أكثر وضوحاً. عندما ترتفع كلفة الحياة أسرع من قدرة الراتب على اللحاق بها، تصبح أي زيادة اسمية بلا أثر حقيقي إذا التهمتها المحروقات والنقل والطعام وسائر الضروريات.

 

والمواطن لا يحتاج إلى محاضرة في كيفية الاقتصاد. لقد تعلّمها قسراً.

 

خفّف تنقلاته. قلّل مشترياته. أجّل حاجاته. استغنى عن أشياء كان يعتبرها طبيعية. واستدان عندما لم يعد الراتب يكفي.

 

لكن ماذا يفعل عندما يصل إلى المرحلة التي لم يعد فيها شيء يمكن اختصاره؟

 

هنا يصبح ارتفاع المحروقات أكثر من مشكلة سعر. يصبح مشكلة في القدرة على العمل نفسها.

 

فالسيارة بالنسبة إلى كثير من العمال ليست رفاهية، بل وسيلة للوصول إلى مصدر الرزق. والوقود بالنسبة إلى السائق والمزارع والصناعي ليس سلعة عادية، بل جزء من عملية العمل والإنتاج.

 

لهذا، لا يكفي إعلان السعر الجديد للمحروقات. المواطن يريد أن يعرف كيف حُسب هذا السعر، وما الذي يدفعه فعلياً، وما حجم الضرائب والرسوم فيه، وما الذي يمكن للدولة أن تفعله لتخفيف أثره على الفئات الأكثر تضرراً.

 

هذه ليست مطالبة بمعجزة. إنها مطالبة بأن تتعامل الدولة مع النقل والطاقة والأجور والإنتاج باعتبارها أجزاءً من مشكلة واحدة: كلفة الحياة.

 

أما حكاية الحمير، فهي تبقى أجمل ما في هذه المأساة من ناحية السخرية.

 

فلو استوردنا الحمير فعلاً، قد نكتشف بعد أشهر أن سعر العلف ارتفع، لأن نقله يحتاج إلى حمير، والحمير تحتاج إلى علف، والعلف يتطلب نقله عبر الحمير، وهكذا نصبح أمام أزمة علف. وربما نحتاج عندها إلى لجنة رسمية لدراسة دعم العلف.

 

وعندها سنكون قد تخلصنا من البنزين، لكننا لم نتخلص من المشكلة. لأن المشكلة لم تكن في السيارة أصلاً.

 

المشكلة في اقتصاد يجعل المواطن يدفع ثمن كل خطوة يخطوها نحو رزقه.

 

لذلك، لا يريد اللبناني أن يستبدل سيارته بحمار. يريد أن يستطيع الوصول إلى عمله بكلفة معقولة، وأن يبقى من راتبه ما يكفي أسرته، وأن يستطيع السائق أن يعمل من دون أن يتحول الوقود إلى شريك في دخله، وأن يبقى المزارع والصناعي قادراً على الإنتاج.

 

يريد دولة تخفف كلفة النقل، وتحمي القدرة الشرائية، وتدعم القطاعات المتضررة من ارتفاع الطاقة، وتراقب سوق المحروقات.

 

يريد شيئاً بسيطاً جداً: أن يعمل ويعود إلى منزله وفي جيبه ما يكفي ليعيش.

 

فالمشكلة لم تعد في كلفة الوصول إلى العمل، بل في أن كلفة الوصول إلى الرزق باتت تلتهم الرزق نفسه.

 

وهكذا، إذا استبدلنا السيارة بالحمار، لا نستبعد أن نستيقظ غداً على ارتفاع سعر العلف. عندها سنكتشف أن المشكلة لم تكن في البنزين أصلاً... بل في الغلاء الذي يعرف كيف يركب معنا، مهما كانت وسيلة النقل.

 

المصدر: البناء 

الصفحة الرئيسية
تعريف عن الاتحاد
محليات
قضايا العمل
الجمهورية الاسلامية في إيران
موقف الأسبوع
اتحادات صديقة
فنون
المخيم النقابي المقاوم
معرض الصور
أخبار عربية
أخبار دولية
متفرقات
مجتمع
قطاعات اقتصادية
إنتخابات نقابية
بيانات
مقالات صحفية مختارة
تشريعات
منصة إكس
ارشيف
منصة إرشاد
ثقافة وتربية
أنشطة عمالية وأخبار نقابية
القطاع العام
صدى النقابات
لبنان بلا دستور
دراسات وابحاث
الأجندة
مواقف وآراء
نافذة على العدو
فرص عمل

لتلقي الأخبار العمالية

إضغط على أيقونة الواتساب أدناه

 

 

أدخل على حساب الفيسبوك 

 

يمكنكم الدخول إلى قناة اليوتيوب

لاتحاد الوفاء بالضغط على الأيقونة أدناه

     

 
Developed by Hadeel.net