الصفحة الرئيسية البحث البريد الالكتروني RSS
فلاشات إخبارية
 
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة

من الصحافة > الشارع الأوروبي يعلن إفلاسه السياسي: الغلاء يهدم الحكومات قبل الاقتصادات

٢٢ ت١ ٢٠٢٦

كتب عماد ياغي

 

لم تعد الأزمة في أوروبا مجرد أرقام تتصاعد في الأسواق أو معدلات تضخم تتراجع هنا وترتفع هناك، بل أصبحت تُقاس بعدد الشباب العاجزين عن استئجار منزل، والأسر التي تضطر إلى تقليص نفقاتها لتسديد فواتير الكهرباء، والموظفين الذين يعملون طوال الشهر، ثم يكتشفون أن رواتبهم لم تعد تكفي لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

 

من لشبونة إلى باريس، ومن ميلانو إلى تيرانا، لم يعد السؤال الأوروبي مقتصرًا على أسباب ارتفاع الأسعار، بل تجاوز ذلك إلى سؤال أكثر خطورة: ما جدوى النمو الاقتصادي إذا كان الإنسان عاجزًا عن تأمين أبسط مقومات الحياة؟

 

هنا تكمن المفارقة؛ فقد تبدو المؤشرات الاقتصادية مستقرة نسبيًا، لكن الواقع المعيشي يكشف صورة مختلفة. فعندما يتحول الإيجار إلى عبء يفوق قدرة الأسرة، ويستنزف التنقل اليومي جزءًا كبيرًا من الراتب، يصبح الغذاء نفسه معركة حسابية في نهاية الشهر. عندها تفقد الأرقام قدرتها على إقناع الناس بأن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح.

 

إنها أزمة تتجاوز الغلاء العابر، لتكشف اختلالًا في النموذج الاقتصادي والاجتماعي، تتداخل فيه أزمة السكن وارتفاع تكاليف الطاقة والضغوط المالية التي تحدّ من قدرة الحكومات على حماية مواطنيها.

 

في البرتغال، تحولت أزمة السكن إلى قضية اجتماعية وسياسية تتصدر المشهد، بعدما ارتفعت أسعار المساكن بنحو 124% بين عامي 2015 و2024، وفق الأرقام الواردة في المعطيات التي يستند إليها المقال.

 

في لشبونة وبورتو، لم تعد الخيام مجرد وسيلة احتجاج، بل أصبحت رمزًا لعجز الشباب والأسر عن إيجاد مساكن تتناسب مع دخولهم. فالسوق العقارية التي يُفترض أن تلبي حاجة الناس إلى الاستقرار باتت، في قطاعات منها، ساحة للمضاربة والاستثمار، فيما يتراجع أصحاب الدخل المحدود والمتوسط إلى هامش المدن أو يقعون أسرى إيجارات تلتهم القسم الأكبر من رواتبهم.

 

والأكثر إيلامًا أن امتلاك وظيفة لم يعد يعني بالضرورة القدرة على الاستقلال. فقد يعمل الشاب ويسدد الضرائب، لكنه يعجز عن استئجار منزل أو تأسيس أسرة، ما يدفع بعض الشباب إلى تأجيل مشاريعهم الحياتية، وربما إلى مغادرة البلاد بحثًا عن فرص أفضل.

 

وهكذا، لا تعود أزمة السكن مشكلة عقارية فحسب، بل تصبح تهديدًا للاستقرار الاجتماعي والإنتاجية ومستقبل الأجيال الجديدة.

 

في فرنسا، يمتد الغضب من أسعار الطاقة والغذاء إلى العلاقة بين المواطن والدولة، خصوصًا عندما تترافق الضغوط المعيشية مع تراجع القدرة على الحصول على خدمات عامة فعّالة في مجالات الصحة والتعليم والنقل.

 

فالمواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار ويجد نفسه أمام خدمات أقل قدرة على تلبية احتياجاته، يشعر بأنه يتحمل أعباء الأزمة وحده. وعندها لا يعود الاحتجاج متعلقًا بزيادة الأجور أو خفض الفواتير فقط، بل يتحول إلى تساؤل عن قدرة الدولة على أداء دورها الاجتماعي.

 

إن أخطر ما في الأزمة هو اجتماع تراجع القدرة الشرائية مع اهتزاز شبكة الأمان التي يُفترض أن تحمي الفئات الأكثر هشاشة. وعندما تتراجع الثقة بقدرة المؤسسات على توفير الحماية، تتحول الأزمة الاقتصادية تدريجيًا إلى أزمة سياسية تمسّ شرعية الحكومات نفسها.

 

تكشف التطورات في إيطاليا وبلجيكا وألبانيا أن الضغوط المعيشية لا تقتصر على منطقة أوروبية دون أخرى. ففي المدن الإيطالية، تتداخل المشكلات الاقتصادية مع تحديات اجتماعية وأمنية، بينما تشكّل أسعار الطاقة والغذاء والتضخم مصدر قلق في بلجيكا. أما ألبانيا، فتُظهر كيف يمكن أن تنتقل المطالب المعيشية سريعًا إلى دعوات سياسية لاستقالة الحكومة.

 

وعلى الرغم من اختلاف الظروف بين دولة وأخرى، يبقى القاسم المشترك اتساع الفجوة بين الوعود الاقتصادية والواقع اليومي للمواطنين.

 

فالمواطن لا يقيس نجاح الحكومة بمعدلات النمو وحدها، بل بقدرته على دفع الإيجار وشراء الغذاء والوصول إلى عمله وتأمين الرعاية الصحية لأسرته. وإذا لم تنعكس المؤشرات الاقتصادية إيجابًا على هذه الجوانب، فإن قيمتها السياسية تتراجع، ويتحول الغضب من الشارع إلى صناديق الاقتراع.

 

يبدو الشباب الأكثر تعرضًا لتداعيات هذا الاختلال، ولا سيما جيل «زد»، الذي يدخل سوق العمل في ظل ارتفاع تكاليف الاستقلال المعيشي.

 

لم تعد المشكلة تقتصر على البطالة بالمعنى التقليدي، بل باتت تشمل ما يمكن تسميته «بطالة الأفق»: أن يمتلك الإنسان وظيفة، لكنه يعجز عن رؤية طريق واضح نحو السكن المستقل أو تأسيس أسرة أو بناء مستقبل مستقر.

 

وهنا يتحول الغضب إلى أزمة جيلية، يشعر فيها الشباب بأنهم مطالبون بالعمل والإنتاج ودفع الضرائب، من دون أن تتوافر لهم فرص تتناسب مع تطلعاتهم. وإذا استمر هذا الواقع، فقد تتعمق الهوة بين الأجيال والمؤسسات، ويتراجع الإيمان بقدرة النظام الاقتصادي على توفير فرص عادلة للجميع.

 

تجد الحكومات الأوروبية نفسها أمام ثلاثة أهداف متشابكة: كبح التضخم، وحماية القدرة الشرائية، وضبط المالية العامة.

 

فالتشدد النقدي قد يساعد على احتواء التضخم، لكنه يرفع كلفة الاقتراض، فيما يخفف الدعم المالي الأعباء عن الأسر، لكنه يزيد الضغط على الموازنات. أما التقشف، فقد يحدّ من العجز، لكنه يفاقم الاحتقان إذا جاء على حساب الخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية.

 

لذلك، لا يمكن معالجة الأزمة بإجراءات مالية مؤقتة، بل بسياسات تعالج أسبابها البنيوية. ويبدأ ذلك بزيادة المعروض السكني، وتسريع البناء، وتوسيع الإسكان العام والاجتماعي، وتنظيم الإيجارات قصيرة الأجل في الأسواق الأكثر تعرضًا للضغط. كما يتطلب الأمر الاستثمار في الطاقة المستدامة وتحسين كفاءة الاستهلاك، إلى جانب حماية الخدمات العامة وتوجيه الدعم نحو الفئات الأكثر تضررًا.

 

فالمساعدات المؤقتة قد تخفف الأعباء، لكنها لا تحل أزمة سكن مزمنة، كما أن خفض الإنفاق لا يحقق الاستقرار إذا أدى إلى إضعاف قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات.

 

ليس بالضرورة أن يصبح الناخب أكثر تطرفًا، لكنه قد يفقد ثقته بالخيارات التقليدية بعدما يرى أن الوعود الانتخابية لا تغيّر واقعه. وعندها تصبح كلفة السكن والطاقة والغذاء اختبارًا مباشرًا للحكومات، وقد تتحول إلى عامل حاسم في تحديد مستقبلها السياسي.

 

ما تشهده أوروبا اليوم ليس مجرد احتجاج على الغلاء، بل اعتراض متصاعد على عقد اجتماعي لم يعد يضمن لكثيرين الحد الأدنى من الأمان والاستقرار.

 

لقد اعتاد المواطن أن يرى في العمل طريقًا إلى الاستقلال، وفي التعليم فرصة لتحسين حياته، وفي الخدمات العامة شبكة حماية. لكن هذه المعادلة تفقد معناها عندما يعمل الإنسان ولا يستطيع تحمّل كلفة السكن، ويدفع الضرائب من دون أن يشعر بتحسن الخدمات، ويؤدي واجباته الاقتصادية فيما يتقلص أفق مستقبله.

 

إن أوروبا لا تواجه امتحانًا اقتصاديًا فحسب، بل اختبارًا لقدرة أنظمتها على استعادة الثقة وإعادة ربط النمو بحياة الناس. فخفض التضخم لا يكفي إذا بقيت الإيجارات خارج القدرة الشرائية، والنمو لا يحقق غايته إذا لم تنعكس ثماره على الفئات التي تصنعه بعملها.

 

فالاقتصاد الذي ينجح في خفض التضخم ويفشل في خفض القلق قد يربح معركة الأرقام ويخسر معركة المجتمع.

 

وإذا أرادت الحكومات الأوروبية احتواء الغضب، فعليها أن تقدم حلولًا ملموسة تضمن السكن اللائق، والأجور العادلة، والخدمات العامة الفعّالة، وفرصًا حقيقية للشباب.

 

وإلا، فإن الأزمة لن تبقى اقتصادية، بل ستتسع الهوة بين الدولة والمجتمع، ليصبح الشارع قوة تعيد رسم الأولويات السياسية وتحدد مصير الحكومات، فارضًا السؤال الذي لم يعد بالإمكان تجاهله: ما قيمة النمو إذا كان الإنسان عاجزًا عن عيش حياة كريمة؟

 

المصدر: البناء

الصفحة الرئيسية
تعريف عن الاتحاد
قطاع الأشغال
محليات
قضايا العمل
الجمهورية الاسلامية في إيران
موقف الأسبوع
اتحادات صديقة
فنون
المخيم النقابي المقاوم
معرض الصور
أخبار عربية
أخبار دولية
مجتمع
متفرقات
بيانات
قطاعات اقتصادية
إنتخابات نقابية
منصة إكس
من الصحافة
تشريعات
ارشيف
منصة إرشاد
ثقافة وتربية
أنشطة عمالية وأخبار نقابية
القطاع العام
لبنان بلا دستور
صدى النقابات
الأجندة
دراسات وابحاث
مواقف وآراء
نافذة على العدو
فرص عمل

لتلقي الأخبار العمالية

إضغط على أيقونة الواتساب أدناه

 

 

أدخل على حساب الفيسبوك 

 
Developed by Hadeel.net