٢٧ ت١ ٢٠٢٦ 
كتب عماد ياغي ليست كل عودة سياسية مجرد استعادة لمنصب، وليست كل انتخابات مجرد أصوات تُحصى في الصناديق. أحيانا، تتحوّل الانتخابات إلى معركة على هوية الوطن، وعلى حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وعلى قدرة الفقراء والعمال والمهمّشين على كسر احتكار السلطة والثروة. وهذا ما جسّدته عودة لويز إيناسيو لولا دا سيلفا إلى قصر الرئاسة في برازيليا؛ عودة لم تكن انتصار رجل فحسب، بل إعلانا مدوّيا بأن إرادة الشعوب، مهما اشتدّت الضغوط، قادرة على قلب المعادلات. قبل أن يصبح لولا دا سيلفا رئيسا للبرازيل، كان عاملا ونقابيا عرف عن قرب معاناة العمال، واختبر الصراع من موقعه بين العمال الذين يناضلون من أجل لقمة العيش والكرامة، وأصحاب المصالح الذين يملكون أدوات القوة والنفوذ. في ١٩ نيسان ١٩٧٥، تولّى رئاسة نقابة عمال المعادن (Sindicato dos Metalúrgicos) في منطقة ABC الصناعية بولاية ساو باولو، وتحديدا في مدينة ساو برناردو دو كامبو، ثم أُعيد انتخابه عام ١٩٧٨. ومن هذا الموقع، برز دوره في قيادة الإضرابات العمالية الكبرى أواخر سبعينيات القرن الماضي ومطلع الثمانينيات، في مواجهة النظام العسكري الحاكم آنذاك، مطالبا بتحسين الأجور وظروف العمل، ومدافعا عن حق العمال في التنظيم النقابي وانتزاع حقوقهم. لم تكن تلك الإضرابات مجرد تحركات مطلبية لزيادة الأجور، بل شكّلت محطة بارزة في نضال الحركة العمالية البرازيلية، وأسهمت في تحويل لولا إلى شخصية وطنية مؤثرة، ومهّدت الطريق أمام تأسيس حزب العمال، الذي أصبح لاحقا أحد أبرز القوى السياسية في البلاد. من هنا، لا يمكن فهم تجربة لولا السياسية بمعزل عن جذورها النقابية . فالرجل الذي وصل إلى قصر الرئاسة لم يأتِ من صالونات النخبة، بل من المصانع وخطوط الإنتاج وساحات الإضراب، حيث تعلّم أن الحقوق لا تُمنح دائما، وأن الدفاع عن مصالح العمال يحتاج إلى تنظيم وإرادة ومواجهة. لم يقتصر الخلاف بين لولا والقوى في الولايات المتحدة الأمريكية على التنافس السياسي، بل ارتبط أيضا بسؤال أعمق: من يملك حق رسم مستقبل البرازيل والمنطقة، شعوبها المستقلة، أم القوى الكبرى التي تسعى إلى فرض إرادتها عبر الضغط الاقتصادي والسياسي والعسكري؟ يرفض لولا، في مقاربته للعلاقات الدولية، أن تكون البرازيل دولة تابعة لواشنطن، ويتمسّك بحق بلاده في اتخاذ قراراتها وفق مصالحها الوطنية، وفي بناء علاقات دولية متوازنة لا تخضع لإملاءات القوة والنفوذ. وتتجلّى هذه المقاربة في معارضة التدخلات الخارجية، ورفض توظيف الأدوات الاقتصادية وسيلةً لفرض الخيارات السياسية، والدفاع عن استقلال القرار الوطني في مواجهة الضغوط، بما فيها الرسوم الجمركية ومحاولات تكريس الهيمنة الاقتصادية والمالية عبر الدولار. كما يبرز التباين في المواقف من السياسات العسكرية الأمريكية والتدخلات في مناطق مختلفة من العالم، بما فيها فنزويلا وإيران وفلسطين، حيث يتقدّم سؤال السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها على منطق الإملاءات الخارجية. وبهذا المعنى، فإن جوهر المواجهة لا يتعلق بخلاف عابر بين رئيس برازيلي وإدارة أمريكية، بل بصراع أوسع حول طبيعة النظام الدولي: هل يقوم على احترام استقلال الدول وحقوق الشعوب، أم على إخضاع الدول التي ترفض السير في الاتجاه الذي تريده القوى المهيمنة؟ إنّ لولا، في هذا السياق، يمثّل خيارا سياسيا يسعى إلى توسيع هامش استقلال البرازيل، وتعزيز دورها الدولي، ورفض تحويلها إلى ساحة مفتوحة للضغوط والإملاءات. لم يدخل لولا هذه المعركة وحيدا، بل حمل معه أصوات ملايين البرازيليين الذين طالما دفعوا ثمن التفاوت الاجتماعي والاستغلال والحرمان. كان وراءه العمال الذين أنهكتهم السياسات الاقتصادية المجحفة، والفلاحون الذين يناضلون من أجل الأرض والحياة الكريمة، والفقراء الذين وجدوا في صناديق الاقتراع فرصة لاستعادة صوتهم وكرامتهم. في تلك اللحظة، لم يكن التصويت مجرّد اختيار بين مرشّحين، بل مواجهة بين مشروعين: مشروع يرى في الثروة والسلطة امتيازا تحتكره قلّة، ومشروع يرفع شعار العدالة الاجتماعية وتوسيع فرص العيش الكريم. لقد تحوّلت الانتخابات إلى اختبار حقيقي لقدرة المال والنفوذ على إخضاع الإرادة الشعبية. وكانت الرسالة واضحة: البرازيل ليست ملكا لأصحاب المصالح، ولا وطنا يُدار وفق حسابات رجال الأعمال والسماسرة، بل بلدٌ يملك شعبه الحق في اختيار مستقبله. وبحسب الأرقام الواردة في النتائج الانتخابية، بلغ الفارق بين المرشّحين أكثر من ٤ ملايين صوتا؛ رقمٌ لا يُقرأ بوصفه حصيلة انتخابية فحسب، بل تعبيرا عن انقسام عميق حول مستقبل البلاد واتجاهها السياسي والاجتماعي. لم تكن المواجهة سهلة. فقد واجه لولا، إلى جانب خصومه السياسيين، ماكينة واسعة من الاتهامات والإشاعات والأخبار الزائفة التي غذّت الخوف والانقسام، وسعت إلى تشويه صورته وضرب الثقة ببرنامجه. لكنّ صناديق الاقتراع أثبتت أن التضليل، مهما امتلك من أدوات الانتشار والتأثير، لا يضمن إخضاع الناس إلى ما لا يريدون. فحين تتراكم الأزمات، ويشعر المواطن بأن كرامته ومستقبله على المحك، يصبح قادرا على التمييز بين الوعود والمصالح، وبين الحقيقة والحملات الموجّهة. ولم تنجح رهانات دونالد ترامب والقوى التي ساندت خصوم لولا في فرض إرادتها على الناخب البرازيلي. فالسيادة الوطنية ليست شعارا يُرفع في المناسبات، بل ممارسة تبدأ من حق الشعب في تقرير من يحكمه، وأيّ سياسات يريد لبلاده أن تنتهجها. إنّ الدرس الأهم هنا هو أن الشعوب ليست بيادق على رقعة شطرنج دولية، وأن الدول لا تُختصر في حسابات القوى الكبرى، مهما بلغت قدرتها على الضغط والتأثير. في مسيرة لولا ما يجعل عودته أكثر من حدث انتخابي. فهو الرجل الذي خرج من بيئة فقيرة، وعرف عن قرب قسوة التفاوت الاجتماعي، ثم صعد إلى قمة السلطة، وعاد إلى الواجهة السياسية بعد سنوات من الصراعات والمحن. إنها مسيرة تختصر التناقضات التي تعيشها الديمقراطيات الحديثة: كيف يمكن لرجل أن يصبح رمزا لقطاعات واسعة من الشعب، ثم يجد نفسه في قلب معارك سياسية وقضائية حادة، قبل أن يعود إلى المنافسة على قيادة البلاد؟ لكنّ القيمة السياسية لهذه المسيرة لا تكمن في شخص لولا وحده، بل في قدرة المجتمع البرازيلي على تجديد خياراته، وإعادة فتح النقاش حول العدالة الاجتماعية، وحقوق العمال، ومصالح الفئات الأكثر هشاشة. لقد أعادت عودته طرح سؤال جوهري: هل تكون السياسة وسيلة لخدمة الناس وتحسين شروط حياتهم، أم أداة لحماية امتيازات الأقوياء؟ وهل تكون الرئاسة مسؤولية وطنية، أم غنيمة تتنازعها شبكات النفوذ والمصالح؟ إنّ تجربة لولا، في سياقها الانتخابي والسياسي، تحمل دلالات تتجاوز حدود أميركا اللاتينية. فهي تذكّر بأن الفئات الشعبية ليست محكومة بالبقاء على هامش القرار، وأن العامل والفلاح والمواطن البسيط يستطيعون، عندما تتوافر الإرادة والتنظيم والوعي، أن يصبحوا قوة سياسية مؤثرة. لكنّ الانتصار في الانتخابات ليس نهاية المعركة، بل بدايتها. فالأصوات التي تمنح المرشّح السلطة تمنحه أيضا مسؤولية الوفاء بوعوده، ومواجهة الفقر والتفاوت، وحماية حقوق العمال، وتوسيع مظلّة العدالة الاجتماعية. وهنا يبدأ الاختبار الأصعب: الانتقال من خطاب الانتصار إلى نتائج ملموسة في حياة الناس. فالشعوب لا تقيس نجاح الحكومات بالخطب وحدها، بل بما يتغيّر في الأجور، وفرص العمل، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، وبمدى قدرة الدولة على وضع مصالح الأكثرية فوق مصالح القلّة. ومن هنا، فإنّ الرهان الحقيقي على تجربة لولا لا ينبغي أن يتوقف عند مشهد الدخول إلى القصر الرئاسي، بل أن يمتدّ إلى ما يمكن أن تحقّقه هذه التجربة من تحوّلات فعلية في ميزان العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية. قد تخسر الشعوب جولات، وقد تتعرّض خياراتها للتشويه والضغط، وقد تُحاصر آمالها بالأزمات والانقسامات، لكنّ ذلك لا يعني أنّها فقدت القدرة على النهوض واستعادة المبادرة. إنّ قصة لولا، بما تحمله من جذور نقابية وصعود سياسي وصراعات وعودة، تذكّرنا بأن التاريخ لا يُكتب بإرادة الأقوياء وحدهم، وأنّ صناديق الاقتراع قد تتحوّل إلى مساحة تستعيد فيها الفئات المهمّشة صوتها وتفرض حضورها في المعادلة الوطنية. لقد قالت البرازيل كلمتها، وبقي التحدّي في ترجمة هذه الكلمة إلى عدالة اجتماعية وسياسات تحمي العمال والفقراء وتوسّع حقوقهم، وإلى موقف وطني مستقل يرفض التبعية ويصون حق الشعوب في تقرير مصيرها. فلا المال يشتري إرادة الشعوب إلى الأبد، ولا التضليل يستطيع طمس الحقيقة إلى ما لا نهاية، ولا الضغوط الخارجية تلغي حقّ الأمم في اختيار طريقها. لولا يعود، لكنّ الرهان الأكبر ليس عودة رجل إلى الرئاسة، بل قدرة شعب على تحويل صوته إلى تغيير. من نقابة العمال إلى قصر الرئاسة، ومن ساحات الإضراب إلى معركة السيادة، تختصر تجربته حقيقة واحدة: إنّ الشعوب التي ترفض الخضوع تستطيع أن تفرض حضورها، وإنّ الهيمنة ليست قدرًا، وإنّ إرادة الشعوب لا تُكسر. المصدر: البناء ملاحظة: المواد المنشورة في هذا الباب تمثل آراء كاتبيها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ادارة الموقع. |