٥ ت٢ ٢٠٢٦ 
كتب عباس قبيسي لم تعد كلفة الحياة تُقاس بما يدفعه المواطن من ماله فقط، بل بما يُطلب منه أن يتحمّله أيضاً من أعباء يفترض أن تكون الدولة شريكاً أساسياً في تأمينها، فالمواطن يدفع الضريبة والرسوم، ثم يجد نفسه مضطراً لدفع ثمن كلفة الخدمات وشرائها مرة أخرى من القطاع الخاص التي يفترض أن تكون جزءاً من حقه الطبيعي الواجبة على الدولة. يدفع فاتورة مؤسسة كهرباء لبنان لخدمة ساعتين في اليوم، ثم يدفع فاتورة مولد الحي ويدفع اشتراك المياه، ثم يبحث عن بدائل عند انقطاعها بسبب انقطاع الكهرباء، ويدفع للنقل الذي ترتفع كلفته مع كلّ ارتفاع في أسعار المحروقات ويدفع للتعليم والطبابة، فيما تتراجع قدرته على مواجهة هذه النفقات مع كلّ زيادة جديدة في الأسعار. انّ الضريبة في أيّ دولة لا يفترض أن تكون مجرد مورد للخزينة العامة، بل جزءاً من علاقة متوازنة بين المواطن والدولة، يدفع المواطن ما يتوجب عليه، وتحصل الدولة على ما تحتاج إليه لتؤمّن له الخدمات العامة والحماية الصحية والاجتماعية وتطور البنية التحتية وتخلق فرصاً لحياة أكثر استقراراً. أما في لبنان، فقد اختلّت هذه المعادلة إلى حدّ بات المواطن يشعر أنه يدفع مرتين مرة للخزينة ومرة للقطاع الخاص لتأمين ما عجزت الدولة عن تأمينه، والمفارقة أنّ هذا العبء لا يقع على الجميع بالدرجة ذاتها، فصاحب الدخل المحدود لا يملك الهامش نفسه التي يملكه صاحب الدخل المرتفع للتعامل مع ارتفاع الأسعار والرسوم والنفقات وكلّ زيادة جديدة في كلفة النقل أو الغذاء أو التعليم أو الطاقة التي تقتطع جزءاً إضافياً من راتب العامل والموظف، حتى يصل إلى ثلث الشهر وقد استُهلك دخله قبل أن تُستكمل حاجاته الأساسية. المشكلة إذاً ليست أنّ الدولة تحتاج إلى الإيرادات، فهذا أمر طبيعي وضروري، وإنما في أن تتحوّل الإيرادات إلى عبء إضافي على مواطن أنهكته السنوات العجاف الماضية بالاضافة الى الحروب التي لا تنتهي، من دون أن تترافق مع سياسة واضحة تحمي قدرته الشرائية وتعيد بناء الخدمات العامة، فالطريق الذي يدفع المواطن ضريبته يجب أن يكون صالحاً للسير في كلّ الفصول، والكهرباء التي يدفع كلفتها يجب أن تكون خدمة عامة فعلياً يحصل عليها لا سبباً إضافياً للإستدانة، والتعليم الذي تُثقل كلفته العائلات يجب أن يبقى حقاً لا امتيازاً، والطبابة لا ينبغي أن تتحوّل إلى اختبار لقدرة الإنسان على الدفع لكي يتعالج وفي المقابل، لا يمكن بناء دولة قوية من دون مواطن قادر على الاستمرار، فالمواطن الذي يستنزف راتبه في الضرائب والنفقات والخدمات البديلة ثم يُطلب منه المزيد، لا يعيش في اقتصاد منتج بقدر ما يعيش في دائرة مغلقة من الدفع والتعويض عن تقصير الدولة. ولعلّ الأخطر من الأرقام نفسها هو أن يتحوّل هذا الواقع إلى أمر مألوف، فعلى سبيل المثال لا الحصر، “الحدّ الأدنى للأجور اليوم في لبنان أصبح يعادل ثمن 9 صفائح بنزين”، لبنان لا يحتاج فقط إلى موارد جديدة، بل إلى إعادة بناء الثقة في معنى الدولة ووظيفتها. في النهاية، قد تكون المشكلة أنّ المكلف اللبناني يدفع من عمره وجهده وقلقه وإستقراره ثمناً لنظام عاجز عن حمايته، نظام ما زال يعيش على “أطلال الدولة العثمانية وسفر برلك” في كيفية تحصيل الأموال “والضرائب العرفية (القانونية) والعوارض الديوانية والتكاليف الشاقة” بالإضافة الى ذلك تحميل المواطن كلفة هذا العجز، وحين تصبح الدولة حاضرة في جباية المال وغائبة عن تأمين الحقوق، لا تعود الضريبة جزءاً من عقد اجتماعي، بل تتحوّل إلى عبء إضافي، فالوطن الذي يطلب من إنسانه أن يدفع مرتين وربما أكثر، ثم يتركه وحيداً يواجه مصيره المجهول يستجدي الإغاثة أمام البقاء، “هنا لا يُستنزف جيبه فقط… بل شيئاً أخطر من ذلك، إيمانه بأنّ فلسفة الدولة وُجدت أصلاً من أجل خدمته”. المصدر: البناء |