٢٤ أيار ٢٠٢٦ 
تواجه تونس منذ سنوات صعوبات متنامية في توفير النقد الأجنبي، نتيجة ارتفاع الواردات وتباطؤ النمو الاقتصادي وضعف الاستثمار، إلى جانب تراجع القدرة على توفير التمويل الخارجي. وأثار منشور أصدره البنك المركزي التونسي مؤخرا جدلا واسعا في الأوساط الاقتصادية، بعدما فرض قيودا صارمة على تمويل واردات عدد من المنتجات المصنفة "غير ذات أولوية". وينص المنشور رقم 4 لسنة 2026، الصادر في 26 مارس/آذار الماضي، على منع البنوك من تقديم تسهيلات ائتمانية أو تمويلات لاستيراد قائمة من السلع، إلا إذا قام المستورد بتغطية كامل قيمة البضاعة نقدًا قبل بدء عملية التوريد.ويشمل القرار السيارات السياحية، والملابس والمنسوجات، ومنتجات غذائية مثل الأجبان والفواكه الاستوائية والفواكه الجافة والعسل والحلويات، إضافة إلى المشروبات الغازية والمياه المعدنية وبعض أنواع الأسماك والقشريات. ويقول المركزي التونسي إن هذه الإجراءات تهدف إلى "ترشيد الواردات والحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي"، غير أن فاعلين اقتصاديين اعتبروا أن القرار يضع آلاف المؤسسات أمام صعوبات مالية حادة، خاصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على التمويل البنكي لمواصلة نشاطها. وداخل مقر شركة ناشئة تعمل في مجال التكنولوجيا، يتحدث مصطفى الرياحي عن الصعوبات اليومية التي تواجهها مؤسسته في توفير العملات الأجنبية. ويقول الرياحي للجزيرة نت إن سقف التمويل المخصص للشركات التكنولوجية "لا يسمح فعليا بالتوسع أو المنافسة"، موضحا أن الدولة تمنحهم نحو 10 آلاف دينار سنويا (3 آلاف دولار)، وهو مبلغ يعتبره غير كاف لشراء المعدات التقنية أو تسويق المنتجات والخدمات الرقمية. ويضيف: "نعمل في سوق مفتوح، لكن القيود المفروضة على النقد الأجنبي تجعل تطوير النشاط شبه مستحيل". لا تقتصر تداعيات الأزمة على المصانع والشركات، بل تمتد إلى الصيدليات أيضًا. فخلال الأشهر الأخيرة تكررت على صفحات ومجموعات تونسية على الإنترنت منشورات لمواطنين يبحثون عن أدوية مفقودة، أو يطلبون المساعدة لجلبها من الخارج.وتشير شهادات عدد من الصيادلة إلى فقدان عشرات الأصناف من الأدوية، بعضها مرتبط بأمراض مزمنة وخطيرة، فيما يتعلق النقص أساسا بالأدوية المستوردة التي تؤمنها الدولة عبر الصيدلية المركزية.وفي هذا السياق، يقول رئيس نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة زبير قيقة للجزيرة نت إن تحميل مختبرات الأدوية الدولية مسؤولية فقدان الأدوية "طرح غير واقعي".ويضيف: "المخابر (المختبرات) الدولية شركات ربحية تتعامل بمنطق واضح، تعطي المال فتأخذ الدواء"، مشددا على أن العلاقة معها ترتبط أساسا بتسديد المستحقات واحترام آجال الدفع.كما شهدت الأسواق التونسية خلال الفترة الأخيرة نقصا في مواد أخرى مثل القهوة والسكر والزيت النباتي، وهو ما يربطه خبراء بتراجع عمليات التوريد والضغوط المتزايدة على احتياطي النقد الأجنبي.وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى ارتفاع عجز الميزان التجاري خلال الربع الأول من سنة 2026 إلى نحو 7.5 مليارات دينار (2.5 مليار دولار)، مقابل 7.2 مليارات (2.4 مليار دولار) في الفترة نفسها من العام الماضي، نتيجة ارتفاع قيمة الواردات بنسبة 7.9%. .في المقابل، كشف تقرير للبنك المركزي التونسي حول الوضع النقدي والمالي حتى 30 أبريل/نيسان 2026 أن احتياطي البلاد من العملات الأجنبية بلغ 25.1 مليار دينار (8.6 مليارات دولار)، بما يغطي 104 أيام من الاستيراد. ويرى خبراء اقتصاد أن تونس، باعتبارها بلدا محدود الموارد من النقد الأجنبي، تتجه نحو تشديد سياستها الحمائية للحفاظ على الاحتياطي من العملات الأجنبية. المصدر: الجزيرة |