١٥ ك٢ ٢٠٢٦ 
قبل أن يفتح النهار عينيه، تتحرك الفانات في شوارع بيروت وضواحيها. أبواب تُفتح وتُغلق على عجل، وجوه متعبة تتزاحم داخل مركبات صغيرة، وهدير المحركات يسبق ضوء الشمس. في هذا التوقيت المبكر، تبدأ رحلة آلاف اللبنانيين اليومية نحو أعمالهم ومدارسهم ومستشفياتهم، في سباق صامت مع الوقت، مع ازدحام الطرق، ومع القدرة على الاحتمال. في لبنان، لم تعد الفانات مجرد وسيلة نقل. أصبحت شريان حياة فعليًا، الخيار الأسرع والأقل كلفة في بلد تآكلت فيه القدرة الشرائية وغابت عنه شبكة نقل عام منظمة. لكنها، في الوقت ذاته، تحمل مخاطر متراكمة، تجعل كل رحلة اختبارًا مفتوحًا للسلامة. *من مقعد السائق: يوم طويل بلا هوامش أمان* يبدأ كثير من سائقي الفانات يومهم قبل الفجر، ويمتد لأكثر من عشر ساعات متواصلة خلف المقود، في ظل ارتفاع متواصل في أسعار الوقود وتكاليف الصيانة. أبو حسن، سائق فان على خط بيروت – الضاحية، يختصر واقعه بعبارة واحدة: “سباق بلا هوامش أمان”. وراء هذه الكلمات، تكمن ساعات طويلة من القيادة المتواصلة قبل الفجر، في شوارع مزدحمة وتحت ضغط الركاب الذين يتوقعون وصولهم في الوقت المحدد مهما كانت الظروف. يقول أبو حسن: “إذا خففت السرعة أُتَّهم بالتأخير، وإذا أسرعت أعرّض نفسي والركاب للخطر. لا قانون واضحًا يحمينا، ولا تعرفة تعكس الكلفة الفعلية”. ويضيف: “أحيانًا أجلس خلف المقود لأكثر من عشر ساعات متواصلة، أتناول وجبة سريعة على الطريق، وأكمل الجولة التالية مباشرة. الضغط النفسي لا يقل عن الإجهاد الجسدي. أشعر أن كل يوم هو اختبار للبقاء، ليس فقط بالنسبة لي كسائق، بل لكل من يركب الفان معي”. أبو حسن لا يتحدث فقط عن السرعة، بل عن مسؤولية حياة عشرات الركاب التي تتضاعف مع ازدحام الطرق وأخطار الطرق غير الخاضعة للصيانة. أما ربيع، سائق فان في المتن، فيشير بدوره في حديث إلى هشاشة المهنة التي يعتمد عليها كمصدر رزق وحيد. يقول: “الفان مصدر رزقي الوحيد. كلفة الصيانة أصبحت مرعبة، وتعطّل السيارة ليوم واحد يعني خسارة كل شيء”. ويضيف: “أحيانًا أضطر للعمل رغم شعوري بالإرهاق أو المرض، لأن التوقف يعني خسارة الدخل اليومي بالكامل”. ويصف ربيع الضغوط اليومية على الطريق: “لكل منعطف خطر، لكل سيارة تتجاوزك على الطريق، لكل شارع ضيق، أنت تتخذ قرارات في جزء من الثانية قد تحدد بين الأمان والخطر. نحن نعيش على حافة الإرهاق الجسدي والنفسي، متشبثين بشريان حياتنا الوحيد”. ويؤكد ربيع أن الأمر لا يقتصر على القيادة فقط: “كثير من السائقين يعيشون القلق المالي المستمر، بين القدرة على تغطية تكاليف الوقود والصيانة وبين الحاجة لتوفير لقمة العيش لعائلاتهم”. *من المقعد الخلفي: ركاب بين الضرورة والقلق* على الجهة الأخرى من المقاعد الضيقة، يجلس الركاب متلاصقين، يشاركون السائق القلق ذاته، لكن من منظور مختلف؛ منظور الركاب الذين يواجهون الزحام، الطرق المتعبة، والتوتر المستمر. مريم، موظفة تعمل في وسط بيروت، تقول: “الفان هو الخيار الوحيد الذي أستطيع تحمّله ماديًا، لكن كل رحلة تحمل توترًا دائمًا”. وتوضح مريم كيف تتحول الرحلة اليومية إلى اختبار للصبر والتحمّل: “أحيانًا يختلط رائحة الوقود بالعرق، والازدحام يجعل من كل منعطف خطرًا محتملاً. أراقب السائق وأنا أشعر بالقلق من أي تصرف خاطئ قد يؤدي إلى حادث”. بالنسبة لها، ليست مجرد وسيلة نقل، بل تجربة يومية مليئة بالتحديات، حيث كل دقيقة في الطريق يمكن أن تكون محفوفة بالمخاطر، خاصة مع ازدحام الطرق في الصباح الباكر أو وقت الذروة. سامي، طالب جامعي، يضيف نظرة أخرى على الرحلة اليومية: “نختاره لأنه الأرخص، لكننا ندفع الثمن من أعصابنا وسلامتنا. لا مواعيد ثابتة، ولا جهة نعرف كيف نلجأ إليها”. ويستطرد سامي: “كل صباح هو مقامرة صغيرة، بين الوصول في الوقت المناسب للجامعة وبين احتمال التعرض لحادث أو التأخر بسبب ازدحام أو تعطّل السيارة. نحن ندفع تكاليف مالية أقل، لكن ثمن السلامة والطمأنينة النفسية مرتفع جدًا”. ويصف الركاب المشهد اليومي في الفان: المقاعد ضيقة، الأشخاص متقاربون إلى حد الاختناق في أحيان كثيرة، المحادثات مقتضبة، وتركيز الانتباه على الطريق أكثر من أي شيء آخر. “أحيانًا نلتقط أنفاسنا بصعوبة”، تقول مريم، “ونشعر أننا محاصرون بين ضغوط العمل، أعباء الحياة اليومية، والتوتر المستمر على الطريق”. بالنسبة للطلاب والموظفين على حد سواء، الفان ليس مجرد وسيلة تنقل، بل شريان اقتصادي واجتماعي؛ وسيلة متاحة وميسورة في بلد تتضخم فيه تكاليف النقل والخدمات. ومع ذلك، تبقى الرحلة اليومية رحلة محفوفة بالقلق المستمر، حيث يغيب النظام، وتظل الحاجة الاقتصادية اليومية مضطرة لركوب هذه الوسيلة غير المنظمة. |