٢٧ حزيران ٢٠٢٦ 
في عالم الاقتصاد الطبيعيّ، تتحرّك أسعار المحروقات وفق معادلة واضحة: يرتفع سعر النفط الخام عالميّاً فترتفع كلفة البنزين، وينخفض سعر النفط فتتراجع الأسعار تباعاً بعد فترة زمنيّة مرتبطة بآليات التسعير والتخزين والتكرير. لكن يبدو أنّ لبنان يعيش في منظومة اقتصاديّة خاصة به، حيث تخضع الأسعار لقوانين مختلفة، ربما في كوكب آخر لا يُشبه باقي الأسواق العالميّة. تُظهر المعطيات الأخيرة مفارقة صارخة: ففي 31 آذار 2026، كان سعر برميل النفط يبلغ نحو 126.69 دولاراً أميركيّاً، فيما وصل سعر تنكة البنزين إلى 26.55 دولاراً. وبعد أقل من ثلاثة أشهر، في 23 حزيران 2026، إنخفض سعر برميل النفط بشكل كبير إلى 76.60 دولاراً، أي بتراجع يقارب 40%. ووفقاً للمنطق الاقتصاديّ البسيط كان يُفترض أن ينعكس هذا الإنخفاض على المستهلك اللبنانيّ، لكن المفاجأة أنّ سعر تنكة البنزين لم تنخفض إلّا بشكل طفيف إلى 25.59 دولاراً، أي بتراجع لا يتجاوز 3.4%. هنا يحق للبنانيّ أن يسأل بسخرية: في أي كوكب نعيش؟ هل نحن في كوكب تتحرّك فيه الأسعار بعكس الإتجاهات العالميّة؟ وهل هناك جاذبيّة اقتصاديّة خاصة بلبنان تجعل انخفاض النفط العالميّ لا يصل إلى خزانات السيارات؟ المشكلة ليست فقط في الفارق بين نسبة انخفاض النفط ونسبة انخفاض البنزين، بل في غياب الشفافيّة حول مكوّنات السعر النهائيّ. فالمستهلك اللبنانيّ لا يدفع فقط ثمن النفط الخام، بل يدفع أيضاً كلفة النقل والتكرير والرسوم والضرائب، وتقلّبات سعر الصرف، وهوامش الأرباح. لكن هذه العوامل لا يمكن أن تُفسّر وحدها فجوة هائلة بين انخفاض عالمي بنسبة 40% وانخفاض محليّ لا يتجاوز بضعة دولارات. إنّ الاقتصاد ليس مجرّد أرقام، بل هو انعكاس للثقة بين الدولة والمواطن والسوق. وعندما يرى المواطن أنّ النفط ينخفض عالميّاً بينما يبقى سعر المحروقات مرتفعاً، يشعر بأنّ هناك حلقة مفقودة بين حركة الأسواق العالميّة وما يصل إليه في حياته اليوميّة. وفي البلدان التي تحترم قواعد السوق، يُراقب المستهلك انخفاض أسعار الطاقة كما يُراقب ارتفاعها. أمّا في لبنان، فيبدو أنّ الإرتفاعات تنتقل بسرعة البرق، بينما الإنخفاضات تحتاج إلى رحلة طويلة عبر متاهات التسعير والقرارات والهوامش. وربما السؤال الحقيقيّ لم يعد: لماذا لا ينخفض البنزين؟ بل: هل لبنان ما زال جزءاً من الاقتصاد العالميّ، أم أنه ابتكر اقتصاداً خاصاً لا تعمل فيه قوانين العرض والطلب إلّا عندما تكون النتيجة لمصلحة الأسعار المرتفعة؟ في النهاية، ليست المشكلة في سعر صفيحة البنزين وحده، بل في شعور المواطن بأنّه يدفع ثمن أزمة لا يعرف أين تبدأ وأين تنتهي. وبين برميل نفط يهبط أربعين في المئة وتنكة بنزين لا تهبط إلا قليلاً، يبقى السؤال الساخر قائماً: نحن في أي كوكب نعيش؟ بيروت، 26 حزيران 2026 د. رنا منصور |