٢ت١ ٢٠٢٦ 
بقلم البروفسور فريد جبور كلما طُرحت زيادة في الرواتب أو تصحيح لبدلات النقل، واو التعويضات العائلية او. .... يُستدعى سؤال مصادر التمويل كأنه اعتراض جاهز على أصل الحق. والسؤال ضروري عندما يكون مدخلًا إلى حساب مالي شفاف، لكنه يصبح منحازًا حين لا يبحث إلا في فرض ضرائب جديدة على الاستهلاك، أو في إقناع الموظف بأن الخزينة عاجزة، بينما تُترك الإيرادات الفائتة والهدر والإعفاءات وضعف استثمار أملاك الدولة خارج النقاش. ليس المطلوب إنكار صعوبة المالية العامة، ولا الادعاء أن كل مبلغ خسره لبنان يمكن استرداده غدًا ودفعه رواتب. المطلوب أن تشرح السلطة كيف نشأ العجز، وما الذي فعلته لتحصيل مواردها، ولماذا تُعرض كلفة تصحيح الأجور بالتفصيل فيما تبقى كلفة الامتناع عن الإصلاح مبعثرة في تقارير لا تتحول إلى محاسبة. وقد ذهب البنك الدولي، في مراجعته للمالية العامة اللبنانية المنشورة عام ٢٠٢٢، إلى وصف استخدامها بعد الحرب بأنها أداة للاستحواذ المنهجي على موارد البلد لمصلحة بنية سياسية واقتصادية راسخة. بهذا المعنى، لا يمكن فصل مشكلة التمويل عن طريقة توزيع المنافع والخسائر: من يحصل على العقود والامتيازات، ومن يدفع الضرائب، ومن يتحمّل تدهور الخدمات؟ ولكي يبقى البحث موضوعيًا، يجب التمييز بين الإيراد الذي لم يُحصّل، والإنفاق الذي لم يحقق المنفعة المطلوبة، والخسارة المالية، والتحويل المشبوه الذي يحتاج إلى تتبّع قضائي. هذه ليست تسميات مختلفة للمبلغ نفسه، ولا يجوز جمعها لإنتاج رقم مثير تحت عنوان «الأموال المنهوبة». والأرقام التالية تقدّم حصرًا جزئيًا موثّقًا، وليس إحصاءً شاملًا أو رصيدًا متاحًا للإنفاق في عام ٢٠٢٦: الملف| المبلغ أو النسبة| الفترة المرجعية| الدلالة الدقيقة الإيرادات الفائتة بسبب تقييم الواردات بسعر صرف متدنٍّ| نحو ٤٫٨٪ من الناتج المحلي| تقدير لعام ٢٠٢٢| إيرادات جمركية وضريبية فائتة بسبب قواعد التقييم، لا كلها ديون مثبتة على مكلّفين تآكل القيمة الحقيقية للرسوم النوعية بفعل التضخم| نحو ٠٫٨٪ من الناتج| تقدير لعام ٢٠٢٢| بند إضافي يرفع مجموع الإيرادات الفائتة في هذين السببين إلى ٥٫٦٪ من الناتج العجز التراكمي الناجم عن قطاع الكهرباء| نحو ٤٠ مليار دولار| حتى عام ٢٠٢٠| كلفة مالية تاريخية للقطاع؛ لا يثبت الرقم أن المبلغ كله اختلاس نفقات شركتي الخلوي| نحو ٦ مليارات دولار، مقابل إيرادات تقارب ١٧ مليارًا وتحويلات للخزينة تقارب ١١ مليارًا| ٢٠١٠–٢٠٢٠| نفقات يستوجب حجمها ومخالفاتها التدقيق؛ ليست كلها أموالًا مهدورة عمولات وصفها التدقيق الجنائي بأنها غير مشروعة| أكثر من ١١١ مليون دولار ضمن ملف تحويلات مرتبط بشركة «فوري» بقيمة نحو ٣٣٣ مليونًا| ضمن الفترة التي تناولها التدقيق: ٢٠١٥–٢٠٢٠| نتيجة تدقيق تستوجب المتابعة القضائية وتتبع المستفيدين؛ لا تُجمع الـ١١١ مليونًا مع الـ٣٣٣ مليونًا خسائر النظام المالي| نحو ٧٠ مليار دولار| تقدير منشور في تقرير صندوق النقد لعام ٢٠٢٣| خسائر تشمل مصرف لبنان والمصارف ومصادر متعددة؛ ليست رصيدًا نقديًا مختفيًا كلفة تأخير إعادة هيكلة القطاع المالي على الودائع القابلة للاسترداد| نحو ١٠ مليارات دولار| مقارنة آذار ٢٠٢٠ بكانون الثاني ٢٠٢٣| تقدير تحليلي لصندوق النقد؛ لا يجوز إضافته تلقائيًا إلى الخسائر الإجمالية المصادر: تقرير السياسة الضريبية لصندوق النقد، ومراجعة المالية العامة للبنك الدولي، والتغطية التفصيلية لتقرير ديوان المحاسبة عن الاتصالات، والتدقيق الجنائي كما نشرته «لوريان توداي»، وتقرير مشاورات صندوق النقد لعام ٢٠٢٣. تكشف هذه الأرقام أن السؤال المالي أوسع بكثير من كلفة زيادة راتب. لكنها تكشف أيضًا ضرورة الدقة: لا يوجد مجموع حسابي مشروع لهذه البنود؛ فهي تشمل سنوات مختلفة، ومبالغ متداخلة، ونفقات وخسائر وإيرادات فائتة تختلف في إمكان استردادها. في الضرائب، يبرز مثال واضح على أن نقص الإيرادات قد ينشأ من القرار نفسه. فتقدير الإيرادات الفائتة في عام ٢٠٢٢ بسبب تقييم الواردات وتآكل الرسوم بلغ ٥٫٦٪ من الناتج. ولتقريب الحجم حسابيًا، فإن نسبة كهذه تعادل ١٫١٢ مليار دولار إذا افترضنا ناتجًا قدره ٢٠ مليار دولار؛ وهذا مثال توضيحي، وليس تحويلًا رسميًا لتقدير التقرير. كما أن الرقم تاريخي، ولا يصح نقله إلى عام ٢٠٢٦ بعد تغيّر قواعد التقييم. الدلالة هي أن إبقاء قواعد ضريبية منفصلة عن الواقع الاقتصادي قد يحرم الخزينة موارد كبيرة، ثم يظهر الحرمان كأنه عجز طبيعي لا مسؤول عنه. ولا تُختزل المشكلة في سعر الصرف. فهناك فارق بين ضريبة مستحقة لم تُجبَ، وضريبة لم تنشأ أصلًا بسبب إعفاء، وضريبة جرى تخفيضها بفعل تصريح غير صحيح أو تقييم متدنٍّ. لكل حالة علاجها: تحصيل للمتأخرات، وتدقيق للتصاريح، ومراجعة تشريعية للإعفاءات. ومن دون نشر هذه الفوارق، لا يستطيع المواطن أن يعرف هل العجز ناتج عن ضعف الاقتصاد، أم عن ضعف الإدارة، أم عن امتيازات أبقاها القرار السياسي. هنا تأتي أهمية كبار المكلّفين. فالمؤسسة الكبيرة قد تضم شركات مترابطة ومعاملات متعددة ومصادر دخل متنوعة، ما يقتضي رقابة متخصصة تربط البيانات وتدقق في الأرباح الفعلية. وقد أوصى صندوق النقد بتعزيز الرقابة المتكاملة على كبار المكلّفين في لبنان. المطلوب تطبيق القانون عليهم بقدرة تناسب حجم نشاطهم، مع ضمان حق الاعتراض، ومنع أن تكون سهولة الاقتطاع من راتب الموظف بديلًا من مواجهة الملفات المعقدة. أما الضريبة التصاعدية، فيجب أن تُبنى على الدخل الحقيقي والقدرة على المساهمة، مع حماية حدّ معيشي مناسب. وإذا بقي دخل العمل ظاهرًا بالكامل، بينما أفلتت دخول أخرى من التقييم أو استفادت من ثغرات، أصبحت التصاعدية ناقصة مهما ارتفعت نسبها. وقد أشار البنك الدولي إلى المعاملة الضريبية المخففة تاريخيًا للميسورين وثغرات ضرائب الأرباح الرأسمالية والعقارات. لذلك، فإن إصلاح توزيع العبء جزء من إصلاح التمويل، وليس موضوعًا اجتماعيًا منفصلًا عنه. وفي الكهرباء، فإن عجزًا تراكميًا يقارب ٤٠ مليار دولار حتى عام ٢٠٢٠ لا يعني وجود هذا المبلغ في صندوق يمكن استعادته، ولا يثبت اختلاسه بالكامل. لكنه يفرض سؤالًا عن نتائج الإنفاق، وعن كلفة استمرار نموذج يعجز عن تغطية نفقاته وتقديم خدمة كافية. التمويل الممكن اليوم يتولد من خفض الخسائر وتحسين التحصيل والكفاءة؛ أما المسؤولية عن العقود والمخالفات السابقة فتحتاج إلى تدقيق ومحاسبة مستقلين. وفي الاتصالات، يجب تصحيح الاختزال الشائع لرقم الستة مليارات دولار. فهو يمثل نفقات خلال الفترة المدروسة، وليس حكمًا بأن كل دولار منها هدر. لكن تقرير ديوان المحاسبة وثّق ارتفاع النفقات التشغيلية والرأسمالية بنسبة ١٢٨٫٧١٪ بين عامي ٢٠١٠ و٢٠١٨، ما يستوجب تحليل العقود والأسعار ونتائج الإنفاق. والرقم المهم للتمويل هو الجزء الذي يمكن إثبات إمكان توفيره مستقبلًا، أو استرداده قانونًا، بعد فصل الكلفة الضرورية عن المبالغة والمخالفة. أما الأموال التي توصف بأنها «مختفية»، فالموضوعية تقتضي تسميتها بحسب الدليل المتوافر. ففي ملف «فوري»، أشار التدقيق الجنائي إلى أدلة على عمولات غير مشروعة تجاوزت ١١١ مليون دولار، وإلى الحاجة لمزيد من التحقيق في بعض التحويلات والمستفيدين. هنا يصبح السؤال محددًا: أين وصلت الأموال؟ من استفاد؟ وما الذي يمكن حجزه أو استرداده؟ التقرير يفتح طريق الإثبات، لكنه لا يحلّ محل الحكم القضائي، ولا يجيز تحويل كل خسارة في مصرف لبنان إلى واقعة اختلاس مثبتة. وتكشف كلفة التأخير جانبًا آخر من الهدر. فقد قدّر صندوق النقد أن تأجيل إعادة الهيكلة بين آذار ٢٠٢٠ وكانون الثاني ٢٠٢٣ خفّض قيمة الودائع القابلة للاسترداد بنحو عشرة مليارات دولار ضمن السيناريو الذي درسه. معنى ذلك أن تعطيل القرار قد يولّد خسائر جديدة حتى من دون عقد إنفاق جديد. لكن أموال المودعين وحقوقهم لا يجوز إدراجها مصدرًا لتمويل الرواتب؛ المطلوب وقف استنزافها وتحديد المسؤوليات عنها. وفي أملاك الدولة، توجد موارد تستوجب الجرد والتقييم والتحصيل، لكن لا يجوز اختراع حصيلة لها. ففي ٢٤ شباط ٢٠٢٦ أعلنت رئاسة مجلس الوزراء بحث خطة لمعالجة الأملاك البحرية، تشمل مراجعة التعديات، وتحصيل الرسوم غير المدفوعة، وإعادة التخمين، وتسريع أوامر التحصيل. الإعلان يثبت وجود ملف يحتاج إلى المعالجة، لكنه لا يبيّن وحده حجم الإيراد الذي وصل إلى الخزينة. المطلوب نشر قيمة التكليفات والتحصيلات والمتأخرات، ثم إخضاعها للرقابة. ويمتد هذا المبدأ إلى العقارات والعقود والمؤسسات العامة: جرد منشور، وتقييم مستقل، ومنافسة شفافة، وعائد يحفظ المصلحة العامة. ويجب التمييز بين أملاك الدولة الخاصة القابلة للاستثمار وفق القانون والأملاك العامة التي تحكمها حماية ووظيفة مختلفتان. أما بيع أصل لتغطية زيادة دائمة، فيستهلك موردًا لمرة واحدة ويترك النفقة قائمة. ولكي تتحول هذه المعالجة إلى تمويل قابل للحساب، ينبغي فصل ثلاثة مسارات: إيرادات متكررة من تحسين الجباية وإصلاح الضرائب ومردود الأصول؛ ووفر متكرر من ضبط العقود والخسائر؛ واستردادات استثنائية من المتأخرات والأموال التي تثبت قابليتها للاستعادة. الرواتب الدائمة تحتاج أساسًا إلى المسارين الأولين، بينما يمكن للاستردادات الاستثنائية معالجة متأخرات أو حاجات مؤقتة. ولإظهار معنى الحجم، فإن ١٠٠ مليون دولار من الإيراد السنوي الإضافي الصافي والمتكرر تعادل حسابيًا نحو ٨٣ دولارًا شهريًا لكل مستفيد إذا كان عددهم ١٠٠ ألف. هذا مثال افتراضي، لا تقدير لحصيلة متاحة أو لعدد المستفيدين في لبنان. لكنه يوضح لماذا يجب مطالبة السلطة بحساب مردود الإصلاح، بدل الاكتفاء بالقول إن الخزينة لا تستطيع. وهنا مسؤولية الإعلام: أن يطالب بكلفة الحقوق وبكلفة تعطيل التحصيل معًا. ليس السؤال عن التمويل تواطؤًا بذاته؛ الانحياز يبدأ عندما يُحاصر الموظف بالأرقام، فيما يمرّ المسؤول عن الموارد بلا كشف حساب. يجب أن يُسأل الوزير: كم حصّلتم من المتأخرات؟ كم تبلغ الإعفاءات؟ ما الوفر المحقق من مراجعة العقود؟ وأين نتائج التحقيق في المخالفات التي وثقتها الأجهزة الرقابية؟ لا تثبت الأرقام المتاحة أن كل المطالب قابلة للتمويل فورًا، لكنها تثبت أن إعلان العجز من دون عرض بدائل الجباية والإصلاح إعلان ناقص. ولا يجوز أن تتحول محدودية الموارد إلى إعفاء للسلطة من واجب تنميتها وحمايتها. قبل مطالبة الناس بضريبة جديدة، يجب أن يعرفوا ما الذي جُبي ممن يقدرون على الدفع، وما الذي أُنقذ من الهدر، وما الذي عاد من الأموال المستردة، وما الذي حققته أملاكهم العامة من عائد. عندها يصبح سؤال التمويل أداة لحماية الحقوق والمالية العامة معًا. أما قبله، فيبقى سؤالًا موجّهًا إلى الحلقة الأضعف، بينما الحساب الأكبر ينتظر من يفتحه. تنويه: الآراء والمواقف المنشورة في هذا الباب تعبّر عن رأي صاحبها فقط، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي أو توجهات إدارة الموقع . |