١٦ ت١ ٢٠٢٦ 
بقلم البروفسور فريد جبور مرضتُ، واستطعتُ أن أدخل المستشفى وأتلقّى العلاج. لكن سؤالًا بقي إلى جانبي، أثقل من التعب: ماذا يفعل مَن لا يستطيع الدخول؟ أين يذهب بوجعه؟ ولمن يقول إن جسده لم يعد يحتمل، وإن ما في جيبه لا يكفي ليُسمَع أنينه؟ منذ مرضتُ، أفكّر في الذين يمرضون بصمت. في الأستاذ المتقاعد الذي أمضى عمره يفتح للآخرين أبواب المعرفة، ثم يقف في شيخوخته أمام باب علاج لا يملك كلفة عبوره. في الموظف الذي قضى سنواته وراء مكتب، يخدم الناس وينتظر أن تسنده الدولة حين تضعف يداه. في العامل الذي يخشى أن ينقطع رزقه إذا استراح، وفي الأم التي تؤجل فحصها لأن دواءها قد يأخذ من أولادها ثمن الطعام. كيف يختار الإنسان بين أن يعالج جسده وأن يطعم أسرته؟ أيّ قسوة جعلت هذا السؤال جزءًا من الحياة اليومية؟ وأيّ معنى يبقى للطمأنينة حين تصبح وعكة صحية قادرة على هدم بيت كامل؟ كنتُ أفكّر في مريض يتألم كما أتألم، ويخاف كما أخاف، لكنه يضيف إلى خوفه من المرض خوفًا من الفاتورة. وقبل أن يسأل عمّا أصابه، يسأل عمّا سيكلّفه اكتشافه. يتردد، ويؤجل، ويقول لأهله: «ربما يزول الوجع». وقد يعرف في داخله أنه يخفي عجزه عن الدفع وراء رجاء التحسن. ذلك التردد يوجعني. أن يضطر الإنسان إلى التفاوض مع ألمه، وأن ينتظر اشتداده كي يقنع نفسه بأن طلب العلاج أصبح ضرورة، وأن يشعر بالحرج لأنه يحتاج إلى مساعدة كي يبقى حيًّا. وأفكّر في المتقاعد الذي كان ينتظر من سنواته الأخيرة بعض السكينة، فإذا بها سنوات حساب: هذا للدواء، وهذا للطعام، وهذا للإيجار، وما بقي لا يكفي. يتناول وصفته كمن يتناول خبرًا ثقيلًا، ويبحث عن دواء يمكن تأجيله، أو حاجة يمكن الاستغناء عنها. وربما أخفى عن أولاده بعض تعبه، لأنه يعرف أعباءهم، ولا يريد أن يضع فوقها شيخوخته. أعرف ما في هذا الصمت من كرامة مجروحة. فالذي عمل طويلًا لا يطلب امتيازًا حين يطلب علاجًا، ولا يستجدي حين يطالب بحقه. لقد أعطى من عمره وجهده، ورتّب حياته على وعد بأن المجتمع الذي خدمه لن يتركه وحيدًا عند المرض. وهذا ما يجعل تقصير الدولة موجعًا إلى هذا الحد. فبين المواطن ودولته عهد، قد لا ينطق به كل يوم، لكنه يعيش على أساسه: أن يدفع ما عليه، وأن يجد حماية حين يعجز. وحين يُترك عند باب المستشفى، ينكسر في داخله شيء يتجاوز المال؛ تنكسر ثقته بأن لحياته وزنًا لدى من يتولون شؤونه. تبدو القرارات البعيدة عن سرير المريض أرقامًا واعتمادات ومهلًا، لكنها تصل إليه وجعًا ينتظر، ودواء ينقطع، وموعدًا يتأخر. وراء كل ملف مؤجل إنسان لا يستطيع تأجيل خوفه، ووراء كل حق معلق أسرة تحاول أن تتماسك. الزمن الذي يمر عاديًا في المكاتب قد يمر على جسد مريض ببطء قاسٍ. ولا أريد أن تكون نجاة الفقير معلقة باتصال، أو معرفة، أو مناشدة علنية تكشف ضعفه أمام الجميع. يؤلمني أن يُضطر إلى عرض مرضه كي يثبت أنه يستحق المساعدة. من حقه أن يُعالَج وتبقى خصوصيته مصونة، وأن يدخل المستشفى باسمه، حاملًا حقه، مطمئنًا إلى أن حاجته لن تتحول إلى دَين في عنقه لأحد. في مرضي شعرتُ بضعفي، وبقيمة اليد التي تمتد، والكلمة التي تطمئن، والعناية التي تخفف الألم. ولهذا يشتد سؤالي عمّن حُرم هذه الطمأنينة. لا يغادرني وجهه وإن لم أره؛ أراه في أستاذ متقاعد، وفي موظف أنهكته السنوات، وفي عامل وأم وشيخ، وفي كل إنسان ضاق رزقه وبقي وجعه واسعًا. أحمد الله أنني استطعتُ أن أتلقّى العلاج. لكن فرحتي بالعافية يرافقها غصّة: هناك مَن ينتظر الآن، ويحسب، ويتردد، ويخفي دمعة عن أهله، لأن بينه وبين العلاج مبلغًا لا يملكه. إلى هذا الإنسان يذهب قلبي. وإلى دولة تتركه أوجّه سؤالي: ماذا بقي من واجبك إن كان مواطنك يخاف أن يمرض؟ وكيف يستطيع أن يشعر بأنه في وطنه، وهو يبحث عمّن يدفع ثمن ألمه؟ أتمنى أن يأتي يوم يدخل فيه الأستاذ المتقاعد والموظف والعامل والفقير إلى المستشفى، فلا يحملون معهم سوى حاجتهم إلى العلاج. يوم لا يعتذر فيه إنسان عن مرضه، ولا يشعر أنه أثقل على أسرته لأنه أراد أن يعيش. ذلك ما أفكّر فيه، وما يبقى في نفسي من وجع: أنني وجدتُ بابًا أدخل منه، وأنّ آخر، في هذه اللحظة، قد يكون واقفًا أمام باب مغلق، يضع يده على موضع الألم، ثم يعود إلى بيته. |