الصفحة الرئيسية البحث البريد الالكتروني RSS
فلاشات إخبارية
 
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة

مواقف وآراء > حين يصبح الانهيار خبرًا يوميًا: من استهلاك الشكوى إلى صناعة الحل

٢١ ت١ ٢٠٢٦

بقلم البروفسور فريد جبور

 

لم يعد اللبناني يحتاج إلى من يخبره بأن معيشته تتدهور. يعرف ذلك حين يشتري دواءه، ويدفع فاتورة الكهرباء، ويحاول دخول مستشفى، ويحسب ما تبقّى من راتبه أو معاشه التقاعدي. ومع ذلك، تتوالى التصريحات والبرامج والبيانات لتعيد وصف ما يعيشه، فيما يظلّ العلاج غائبًا أو مؤجّلًا. تتغير عناوين الأخبار، وتبقى السياسات التي أنتجت الأزمة قادرة على الاستمرار. هنا تكمن المفارقة: يزداد الكلام عن وجع الناس، وتضعف قدرة الناس على تحمّل حياتهم.

 

ليس كشف المعاناة عملًا عبثيًا؛ فالإعلام الذي يوثّق الحرمان يؤدي وظيفة ضرورية. لكن قيمته تتراجع حين تتوقف التغطية عند عرض المأساة، وتعود إلى المسؤول نفسه ليسرد أسبابها من دون مساءلته عن قراراته. وعندما يصبح تصريح المسؤول بأنه «يتفهّم معاناة المواطنين» حدثًا يستحق الترويج، ينقلب معيار الوظيفة العامة: ينال المسؤول حضورًا بسبب اعترافه بالمشكلة التي يتولى موقعًا لمعالجتها.

 

وهكذا تنشأ دائرة مغلقة: مواطن يشكو، وإعلام ينقل، ومسؤول يتعاطف، ولجنة تدرس، ثم تعود الشكوى أشدّ. وفي أثناء ذلك، يخسر المريض فرصة العلاج، ويغادر الموظف الكفوء، ويتراجع التعليم، وتتآكل الإدارة. الزمن الذي يبدو متاحًا للسياسة يُقتطع من أعمار الناس.

 

الخطاب حين يحلّ محلّ الحكم

 

في علم السياسة، تتصل المساءلة بقدرة المجتمع على معرفة من قرّر، وما الذي نفّذه، وما النتائج التي ترتبت عليه. وحين تتوزع المسؤولية بين أطراف كثيرة، ويقدّم كل طرف نفسه معارضًا من داخل السلطة، يصبح الفشل بلا صاحب. الجميع يطالب بالإصلاح، لكن أحدًا لا يقدّم حسابًا كاملًا عمّا عطّله أو استفاد من استمراره.

 

وفي الاقتصاد السياسي، قد يستمرّ ترتيب فاشل اجتماعيًا لأنه يحقق منافع لفئات قادرة على حمايته. فتراجع الخدمة العامة يوسّع سوق البدائل الخاصة، وتعقيد المعاملات يرفع قيمة الوساطة، وضعف الحماية الاجتماعية يعزّز حاجة المواطن إلى الزعيم. ولا يعني ذلك أن كل تعثّر مؤامرة مقصودة، بل أن بعض المستفيدين من التعثّر يملكون قدرة على مقاومة إصلاحه تفوق قدرة المتضررين على فرضه.

 

عندئذٍ، يصبح السؤال أكثر دقة: لماذا يتغير نظام يمنح أصحابه النفوذ، إذا كان المجتمع يدفع كلفة بقائه وهم لا يدفعون كلفة فشله؟

 

أما «تحنيط الزعامات»، فليس مسألة أعمار، وإنما تجميد للمواقع والأفكار وطرق إدارة الشأن العام. قد يتقدم إنسان في السن ويبقى قادرًا على المراجعة، وقد يدخل شاب السياسة حاملًا نظامًا كاملًا من الطاعة والمحاصصة. التحنيط الحقيقي هو استمرار القيادة من دون امتحان للنتائج، وتحويل تاريخها إلى حصانة من المحاسبة.

 

كيف يُستنزف المجتمع؟

 

من منظور علم النفس الاجتماعي، يعرّض تكرار الخيبة الناس للشعور بأن أفعالهم لا تغيّر شيئًا. يشاركون ثم يتراجعون، يحتجون ثم ينصرفون، ويبحث كل فرد عن نجاة خاصة. لا يدلّ ذلك بالضرورة على الرضا؛ فقد يكون نتيجة إنهاك طويل، وخوف على مورد رزق هش، وغياب طريق واضح يربط الجهد بالنتيجة.

 

وهذا ما يجعل كثرة الدعوات غير المقرونة ببرنامج قابلة لأن تزيد الإحباط. فالناس تستطيع تحمّل مشقة التحرك عندما تعرف مطلبها، والجهة المسؤولة عنه، والخطوة التالية إذا رُفض. أما الاحتجاج الذي يعود في كل مرة إلى نقطة البداية، فيستهلك الثقة التي يحتاج إليها كي يستمر.

 

ويتعمق الضرر حين تنهار المؤسسات بالتوازي مع الدخل. فالمواطن الذي يخسر جزءًا من قدرته الشرائية، ثم يضطر إلى شراء التعليم والعلاج والكهرباء والنقل من ماله، يتعرض لاقتطاع مضاعف من معيشته. لذلك، لا تُقاس الحماية الاجتماعية بقيمة ما يدخل الجيب وحده، بل أيضًا بما يتوقف المواطن عن دفعه للحصول على حقوقه الأساسية.

 

وقد ربط البنك الدولي بين تدهور المالية العامة في لبنان وتعطل تقديم الخدمات، وأكد أهمية استعادة أدوات إعداد الموازنة والرقابة والتقارير المالية وانتظام المدفوعات. وهذه صلة أساسية: لا تستقيم خدمة عامة إذا بقي تمويلها وإدارة أموالها خارج المتابعة الفعلية. 

 

حلّ عملي يبدأ من قرار قابل للمحاسبة

 

أقترح برنامج إنقاذ معيشيًا لمدة سنة، تبدأ مرحلته الأولى خلال مئة يوم، وتتحمل الحكومة مسؤوليته عبر الوزارات والإدارات القائمة، مع رقابة نيابية ومالية معلنة. وأقترح حصر بدايته بثلاث أولويات: العلاج الأساسي، وحماية الدخل الأدنى، واستمرار المرافق العامة الضرورية. فالبرنامج الذي يعد بإصلاح كل شيء فورًا يصعب تنفيذه ومحاسبته.

 

خلال الثلاثين يومًا الأولى، أقترح أن تنشر وزارة المالية، بالتعاون مع الجهات المعنية، بيانًا مبسطًا يوضح الإيرادات المحصّلة، والنفقات الأساسية، والمتأخرات، والسيولة المتاحة، وكلفة إجراءات الحماية المقترحة. ومن هذا البيان تنطلق الموازنة التنفيذية للبرنامج. فلا يكفي الحديث عن «أموال موجودة» من دون تحديد الالتزامات المقابلة لها، كما لا يكفي التذرع بالعجز من دون كشف الحساب.

 

وبالتوازي، أقترح تحديد حدّ أساسي قابل للتمويل من الخدمات الصحية والأدوية الضرورية للفئات الأشد حاجة، بمن فيهم الموظفون والمتقاعدون الذين تراجعت قدرتهم على العلاج. يُعلن نطاق التغطية والجهة التي تدفع ومهلة تسديد مستحقات مقدّمي الخدمة وآلية الاعتراض. فالوعد بالتغطية يفقد قيمته إذا عجز المستشفى عن تحصيل مستحقاته أو بقي المريض تائهًا بين الجهات الضامنة.

 

أما حماية الدخل، فأقترح إعداد تصحيح مرحلي للأجور والمعاشات، يبدأ بمن هم أدنى دخلًا، على أساس كلفة الحاجات الأساسية وبتمويل محدد. وتُعلن كلفة كل مرحلة وموعدها، مع مراجعة دورية لأثر الأسعار عليها. فلا تتحول عبارة «الموارد أولًا» إلى تأجيل مفتوح للحقوق؛ تتولى الحكومة نفسها تحديد الموارد وتأمينها ضمن مهلة معلنة، ويصبح تقاعسها عن ذلك موضوع مساءلة.

 

من أين يأتي التمويل؟

 

أقترح ترتيب الموارد وفق قابليتها للتحقق، بدل جمع أرقام افتراضية ثم توزيعها على وعود دائمة. يبدأ العمل بتحصيل الضرائب والرسوم المستحقة بعدالة، وملاحقة التهرب الكبير وفق القانون، ومراجعة الإعفاءات غير المبررة، وتدقيق العقود والنفقات التي يمكن خفضها من دون إضعاف الخدمة.

 

وأقترح نشر جردة بالأبنية التي تستأجرها الدولة، وما تملكه من أبنية صالحة للاستعمال، مع برنامج انتقال حيث يثبت الوفر بعد احتساب كلفة التأهيل والنقل. كما أقترح مراجعة المؤسسات والهيئات المتداخلة، على أساس وظيفتها وكلفتها ونتائجها، تمهيدًا للدمج أو الإلغاء حيث يلزم عبر الأصول القانونية. فلا يكون الإصلاح تبديل أسماء أو نقل محسوبيات من مؤسسة إلى أخرى.

 

أما الأموال المتنازع عليها قضائيًا أو استرداد الأموال المنهوبة، فتستمر ملاحقتها، لكن أقترح عدم احتسابها موردًا مضمونًا لرواتب أو علاج قبل تحصيلها. ولحماية البرنامج من التضخم، أقترح تجنب تمويل النفقات الدائمة بإصدار نقدي غير منضبط؛ فزيادة اسمية تلتهمها الأسعار تعيد المواطن إلى الخسارة نفسها.

 

إعادة تشغيل الدولة جزء من تصحيح المعيشة

 

لا تستعيد المؤسسات قدرتها بشراء أجهزة جديدة مع بقاء الموظف عاجزًا عن الوصول إلى عمله. أقترح ربط تأمين مقومات العمل والدخل المقبول بخطة خدمة منشورة: عدد أيام العمل، ومهل إنجاز المعاملات، والمسؤول عن التأخير، وطريق الشكوى. وتبدأ الرقمنة بالمعاملات الأكثر استخدامًا، مع إبقاء منفذ مباشر لمن لا يستطيع استعمال الوسائل الرقمية.

 

وعلى امتداد السنة، أقترح توجيه ما يتاح من استثمار إلى أعمال تخلق فرصًا وتخفض كلفة الحياة: صيانة شبكات المياه، وتحسين النقل المشترك حيث يمكن تشغيله بجدوى، ودعم الإنتاج الزراعي والصناعي عبر خدمات وبنية أساسية وتسهيل معاملات. فالمساعدة تحمي الأسرة من السقوط، والعمل المنتج يمنحها قدرة أوسع على الاستمرار.

 

كيف نمنع الخطة من أن تصبح تصريحًا آخر؟

 

أقترح نشر تقرير شهري قصير يجيب عن خمسة أسئلة: ماذا تقرّر؟ كم خُصّص له؟ كم دُفع فعلًا؟ من استفاد؟ ولماذا تأخر ما لم يُنفّذ؟ وتناقش اللجان النيابية المختصة النتائج دوريًا، مع نشر أجوبة الوزراء والإدارات.

 

وهنا يستطيع الإعلام تغيير وظيفته من متابعة الأقوال إلى متابعة الالتزامات. يعود إلى المسؤول بعد انقضاء المهلة، ويقارن الوعد بالإنجاز، ويستعين بأهل الاختصاص لفحص الأرقام. ويصبح حضور المسؤول فرصة لتقديم حساب، لا مناسبة لإعادة إعلان النيات.

 

وأقترح أن تتفق الروابط والنقابات وهيئات المتقاعدين على وثيقة مطالب قصيرة، تتضمن الأولويات الثلاث ومهل تنفيذها. تُودع لدى الجهات المختصة، وتُنشر الردود عليها، ويُبنى التحرك السلمي المتدرج على ما نُفّذ وما رُفض. بهذه الطريقة، يصبح كل تحرك خطوة في مسار تراكمي، وتستطيع الناس معرفة ما حققته مشاركتها.

 

إن الفاصل بين الشكوى والسياسة العامة هو قرار ممول، ومسؤول معلوم، ومهلة تنفيذ، وحساب منشور. لبنان لا تنقصه القدرة على وصف أزمته؛ تنقصه آلية تجعل استمرار الفشل مكلفًا لمن يديرونه. وكل يوم يمضي من دون هذه الآلية يرسّخ تفاوتًا قاسيًا: مواطن يحاسب نفسه على ثمن رغيف، وسلطة لا تُحاسب على ثمن انهيار دولة.

 

تنويه:

 

الآراء والمواقف المنشورة في هذا الباب تعبّر عن رأي صاحبها فقط، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي أو توجهات إدارة الموقع .

الصفحة الرئيسية
تعريف عن الاتحاد
قطاع الأشغال
محليات
قضايا العمل
الجمهورية الاسلامية في إيران
موقف الأسبوع
اتحادات صديقة
فنون
المخيم النقابي المقاوم
معرض الصور
أخبار عربية
أخبار دولية
مجتمع
متفرقات
بيانات
قطاعات اقتصادية
إنتخابات نقابية
منصة إكس
من الصحافة
تشريعات
ارشيف
منصة إرشاد
ثقافة وتربية
أنشطة عمالية وأخبار نقابية
القطاع العام
لبنان بلا دستور
صدى النقابات
الأجندة
دراسات وابحاث
مواقف وآراء
نافذة على العدو
فرص عمل

لتلقي الأخبار العمالية

إضغط على أيقونة الواتساب أدناه

 

 

أدخل على حساب الفيسبوك 

 
Developed by Hadeel.net