الصفحة الرئيسية البحث البريد الالكتروني RSS
فلاشات إخبارية
 
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة

مواقف وآراء > الوظيفة العامة في لبنان: بين حاجات الإدارة وحقوق المواطن

٢٥ ت١ ٢٠٢٦

بقلم البروفسور فريد جبور

حين تتراجع حاجات الإدارة عن أولويات التوظيف والتنظيم، تفقد الوظيفة العامة غايتها الأساسية: خدمة المجتمع، وتنفيذ القانون، وإدارة الموارد بكفاءة. ويصبح السؤال عند التعيين: ما حاجة الإدارة إلى هذا الموقع؟ وما مؤهلات من سيتولاه؟ وكيف سيُحاسب على أدائه؟ هكذا تختل العلاقة بين الوظيفة وصاحبها، وبين الإنفاق والنتيجة، بينما يدفع المواطن ثمن الخلل من وقته وحقوقه وماله.

 

لكن تشخيص هذه الأزمة يحتاج إلى دقة. فلا يصح القول إن جميع الموظفين غير مؤهلين، أو إن القطاع العام يعاني فائضًا في كل أجزائه. ففي الإدارة موظفون أكفاء يحملون أعباء تفوق إمكاناتهم، وهناك وحدات تعاني نقصًا حادًا في الاختصاصات، إلى جانب مواقع قد تشهد تكدسًا أو ازدواجًا أو سوء توزيع. المشكلة أن الدولة لا تضع دائمًا العدد المناسب، بالاختصاص المناسب، في المكان الذي يحتاج إليه.

 

وتظهر المفارقة في المعطيات الرسمية المنشورة على موقع رئاسة مجلس الوزراء، التي أوردت أن الشغور في الإدارات العامة بلغ نحو ٧٤٫٦٥٪، وأن الوظائف المشغولة ضمن النطاق المعروض انخفضت من ٨٬١٧٥ عام ٢٠٢٢ إلى ٧٬١٠٢ عام ٢٠٢٥. وتحدثت المعطيات نفسها عن دراسة لإلغاء آلاف الوظائف التي انتفت الحاجة إليها. وهذه الأرقام تخص نطاقًا إداريًا محددًا، ولا تمثل مجموع العاملين في القطاع العام بأسلاكه ومؤسساته. وهي تكشف إمكان اجتماع الشغور الواسع مع تقادم الملاكات وسوء تنظيمها.

 

فقد تكون وظيفة شاغرة على الورق ولا تحتاج إليها الإدارة اليوم، بينما تحتاج إلى اختصاص جديد لا وجود له في ملاكها. وقد يوجد موظف مؤهل لا تُستخدم خبرته، ويُكلَّف آخر بعمل لا يناسب تكوينه. لذلك، لا يقاس حجم الإدارة بعدد العاملين وحده، بل بحجم المهام، وتوزيعها، وطريقة إنجازها، والنتيجة التي يحصل عليها المواطن.

 

وتتفاقم المشكلة عندما لا تستند التعيينات والتكليفات إلى معايير واضحة للحاجة والكفاءة والاستحقاق. فالتوظيف الذي لا يقوم على تخطيط مسبق ومنافسة عادلة قد يؤدي إلى اختلال توزيع الموارد البشرية، ويضعف ثقة العاملين بجدوى الاجتهاد والتطوير المهني. كما أن غياب المعايير الموضوعية للمساءلة والترقية قد يحدّ من قدرة الإدارة على مكافأة الأداء الجيد ومعالجة التقصير.

 

وهنا لا يكون الخلل في الأشخاص وحدهم، بل في نظام الحوافز وآليات العمل. فالموظف المجتهد يحتاج إلى ضمان أن كفاءته ستُقدَّر، والمقصر يحتاج إلى مساءلة عادلة وفق الأصول. وإذا تساوى الإنجاز والإهمال في التقدير، أو غابت العلاقة بين الأداء والتقدم الوظيفي، فإن الإدارة تدفع العاملين تدريجيًا إلى التكيف مع ممارسات تضعف جودة الخدمة العامة.

 

وتتفاقم المشكلة عندما تُستعمل التعاقدات والاستثناءات والتكليفات لتجاوز التخطيط والمنافسة. والتعاقد في ذاته قد يكون ضروريًا ومشروعًا، لكن تحوله إلى بديل دائم عن سياسة توظيف واضحة يقطع الصلة بين الحاجة الفعلية والتوظيف. ثم يصبح تصحيح الوضع أكثر صعوبة، لأن الدولة تكون قد رتبت أوضاعًا معيشية وحقوقًا وعلاقات عمل لا تُعالج بقرار اعتباطي.

 

ومن أخطر نتائج سوء التنظيم حماية الهيكل الإداري لمجرد وجوده. فقد تستمر هيئة أو وحدة رغم تداخل وظائفها مع غيرها، أو تبقى إجراءات معقدة لأنها تمنح بعض المواقع الإدارية صلاحيات واسعة من دون مبرر وظيفي كافٍ. ويصبح الإصلاح أكثر صعوبة حين تُقاوَم إعادة التنظيم قبل دراسة فائدتها، فتتحول الإدارة إلى بنية يصعب تعديلها بدل أن تكون جهازًا يتطور وفق حاجات المجتمع.

 

ويدفع المواطن كلفة مضاعفة. فهو يمول الإنفاق العام، ثم يتحمل تعطيل معاملته، وقد يضطر إلى البحث عن وسائل غير رسمية للحصول على حق يفترض أن يناله مباشرة. وتتضرر المؤسسات الاقتصادية من التأخير وعدم وضوح الإجراءات، ويخسر الموظف النزيه سمعته حين يُعمَّم عليه فشل جهاز لا يتحكم وحده في قراراته. وفي المحصلة، تتراجع الثقة بالمؤسسات العامة وبقدرتها على تقديم الخدمات بصورة متساوية وعادلة.

 

غير أن تحميل الموظف وحده مسؤولية تراجع أداء الإدارة يتجاهل أثر تدهور الأجور وبيئة العمل. فقد ربط البنك الدولي بين انهيار القيمة الفعلية للرواتب ومغادرة عاملين للقطاع العام، واتساع فجوات المهارات، وتعطل وظائف أساسية. كما أشار تقرير لصندوق النقد الدولي منشور عام ٢٠٢٦ إلى تشتت بنية التعويضات وضعف اكتمال بيانات العاملين والحاجة إلى مراجعة الوظائف وتحديث المسح الوظيفي.

 

لذلك، فإن الإصلاح الذي يطالب الموظف بالإنتاجية ويتركه عاجزًا عن تأمين انتقاله وعلاجه ومعيشته يفتقد شرطًا أساسيًا للنجاح. وفي المقابل، فإن زيادة الإنفاق من دون إصلاح التوزيع والإجراءات والمحاسبة قد تعيد تمويل الخلل. تصحيح الحقوق وبناء الفاعلية مسؤوليتان متلازمتان.

 

وأقترح أن يبدأ الإصلاح بمسح موحد ومحدث للعاملين والوظائف، يشمل الجهات الممولة من المال العام، مع التمييز بين الموظف والمتعاقد والأجير وسائر صيغ الاستخدام. ويحدد المسح مكان العمل الفعلي، والمهام، والمؤهلات، والكلفة، والسند القانوني، ضمن ضمانات حماية البيانات. فلا يمكن بناء سياسة عادلة على أرقام متعارضة أو جمع فئات مختلفة من دون توضيح.

 

لكن إحصاء الأشخاص لا يكفي. وأقترح إجراء مراجعة وظيفية لكل إدارة: ما الخدمات المطلوبة منها؟ وما حجم الطلب عليها؟ وأين تتكرر المهام؟ وما الاختصاصات المفقودة؟ وما الإجراءات التي يمكن اختصارها؟ وعلى هذا الأساس تُحدَّث الملاكات. فإلغاء وظيفة قديمة لا يعني بالضرورة صرف موظف، ووجود شاغر لا يعني تلقائيًا الحاجة إلى ملئه.

 

وأقترح بعد ذلك إعادة توزيع الموارد البشرية وفق الكفاءة والحاجة، ضمن الأصول وضمانات الاعتراض، مع التدريب وإعادة التأهيل عند الإمكان. ويُستقدم الاختصاص النادر بمنافسة شفافة حين يتعذر تأمينه داخليًا. أما التجميد الشامل للتوظيف فقد يحفظ فائضًا في موضع ويمنع سد نقص حيوي في موضع آخر.

 

وفي التعيينات والترقيات، أقترح نشر وصف الوظيفة وشروطها ومعايير المفاضلة قبل اختيار المرشح، وتعزيز دور مجلس الخدمة المدنية والجهات المختصة، وتوثيق أسباب الاختيار. فالكفاءة تحتاج إلى إجراءات يمكن التحقق منها، وإلى رقابة تضمن تكافؤ الفرص وتمنع التمييز أو تجاوز الأصول القانونية.

 

وأقترح أن تشمل المساءلة كل من يتخذ قرار توظيف أو تكليف مخالف، أو يخفي البيانات، أو يعطل الرقابة، إلى جانب مسؤولية العامل عن أدائه. فلا يستقيم أن يُترك الخلل الإداري من دون معالجة، ثم تُحصر كلفته في الموظف وحده. كما ينبغي التعامل مع الحالات المختلفة كلٌّ بحسب وضعه، مع التحقيق وضمان حق الدفاع؛ فالاختلاف في الوضع القانوني أو المهني لا يبرر حكمًا جماعيًا.

 

وتحتاج الفاعلية إلى تقييم عادل يقيس جودة الخدمة وصحة المعاملة ومدة إنجازها، مع مراعاة حجم العمل والموارد المتاحة. وأقترح ألا يقتصر التقييم على الحضور أو عدد الملفات؛ فقد تُنجز معاملات كثيرة بأخطاء، وقد تتطلب معاملة معقدة وقتًا مبررًا. ويخضع المسؤول الإداري أيضًا للمساءلة عن توزيع العمل والتوجيه ومعالجة الشكاوى.

 

وأقترح رقمنة الإجراءات بعد تبسيطها، مع إمكان تتبع المعاملة وتحديد موضع التأخير. فالرقمنة التي تنقل التعقيد إلى شاشة لا تصلح الإدارة، وقد تضيف كلفة جديدة. وتُقاس العقود التقنية بما حققته من خدمة فعلية، مع الاحتفاظ بمساعدة مناسبة لمن لا يستطيع استخدام الوسائل الرقمية.

 

أما دمج الهيئات أو إلغاؤها، فأقترح إخضاعه لدراسة منشورة عن المهام والكلفة والبديل واستمرارية الخدمة وحقوق العاملين. فالاسم القديم لا يثبت انعدام الجدوى، والاسم الحديث لا يثبت الحاجة. المعيار هو الوظيفة العامة التي تؤديها الجهة، وإمكان أدائها بكفاءة وعدالة أكبر.

 

وأقترح تنفيذ هذا المسار ضمن برنامج معلن: مرحلة أولى لتوحيد البيانات وكشف الاختلالات، تليها مراجعة المهام والتوزيع والإجراءات، ثم استكمال تعديل الملاكات وسياسة الأجور والتعيين والتقييم. وتُنشر تقارير دورية تبين ما تغير في زمن الخدمة وكلفتها وجودتها، بدل الاكتفاء بإعلان عدد الوظائف الملغاة أو الأموال المصروفة.

 

إن الحفاظ على الدولة يقتضي حماية الموظف من الفقر، وضمان استقلالية الإدارة في تطبيق القانون، وحماية المواطن من التعطيل والتمييز، وصون المال العام من التوظيف غير المبرر. فالإدارة الفاعلة لا تُقاس بعدد المواقع التي تشغلها، بل بقدرتها على تلبية حاجات الناس، واحترام حقوق العاملين، وتقديم خدمات جيدة ضمن الإمكانات المتاحة.

 

ويبدأ التغيير حين يصبح السؤال عند كل تعيين وإنفاق: ما الخدمة التي يحتاج إليها الناس، ومن يستطيع أداءها، وكيف نتحقق من جودة أدائها؟

 

المصدر: مقال للبروفسور فريد جبور، بتصرّف.

 

الصفحة الرئيسية
تعريف عن الاتحاد
قطاع الأشغال
محليات
قضايا العمل
الجمهورية الاسلامية في إيران
موقف الأسبوع
اتحادات صديقة
فنون
المخيم النقابي المقاوم
معرض الصور
أخبار عربية
أخبار دولية
مجتمع
متفرقات
بيانات
قطاعات اقتصادية
إنتخابات نقابية
منصة إكس
من الصحافة
تشريعات
ارشيف
منصة إرشاد
ثقافة وتربية
أنشطة عمالية وأخبار نقابية
القطاع العام
لبنان بلا دستور
صدى النقابات
الأجندة
دراسات وابحاث
مواقف وآراء
نافذة على العدو
فرص عمل

لتلقي الأخبار العمالية

إضغط على أيقونة الواتساب أدناه

 

 

أدخل على حساب الفيسبوك 

 
Developed by Hadeel.net